دراسات في
Download
1 / 250

دراسات في الحديث النبوي الشريف - PowerPoint PPT Presentation


  • 1122 Views
  • Uploaded on

دراسات في الحديث النبوي الشريف. أ. د. إسماعيل سعيد رضوان أستاذ الحديث الشريف وعلومه كلية أصول الدين. أ. د. أحمد يوسف أبو حلبية أستاذ الحديث الشريف وعلومه كلية أصول الدين. المقدمة.

loader
I am the owner, or an agent authorized to act on behalf of the owner, of the copyrighted work described.
capcha
Download Presentation

PowerPoint Slideshow about ' دراسات في الحديث النبوي الشريف' - jaden-boone


An Image/Link below is provided (as is) to download presentation

Download Policy: Content on the Website is provided to you AS IS for your information and personal use and may not be sold / licensed / shared on other websites without getting consent from its author.While downloading, if for some reason you are not able to download a presentation, the publisher may have deleted the file from their server.


- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - E N D - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
Presentation Transcript
دراسات في الحديث النبوي الشريف

  • أ. د. إسماعيل سعيد رضوان

  • أستاذ الحديث الشريف وعلومه

  • كلية أصول الدين

  • أ. د. أحمد يوسف أبو حلبية

  • أستاذ الحديث الشريف وعلومه

  • كلية أصول الدين


المقدمة

  • الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أمّا بعد:

  • فإن للحديث الشريف والسنة النبوية المطهرة مكانة عظيمة وأهمية كبيرة في إسلامنا الحنيف العظيم؛ لأنّ شرف الشيء من شرف المنسوب إليه وهو هنا الرسول ، فقد بيّن كلّ من الحديث النبوي والسّنّة المشّرفة الأحكام التي نزل بها القرآن الكريم من حيث تخصيصُ عامّه وتقييد مُطْلَقه وتفسير مبهمه، كما استقلا في تشريع أحكام لم يُنَصّ عليها في هذا القرآن الكريم، ومن ثَمّ تتمثَل تلك المكانة والأهمية في كون كلَ من الحديث الشريف والسّنّة المطهّرة المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن العزيز وفي كونهما التطبيق العملي لهذا القرآن.

  • وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين

  • المؤلّفان


القسم الأولدراسات في الحديث والسُّنَّة


  • أولاً: تعريفات أوليّة هامّة

  • 1- تعريف الحديث في اللغة:

  • كلمة حديث صفة مشبّهة، مشتقة من الفعل حَدَثَ وحَدُثَ، وتُجْمَع على أحاديث، وهذا جمع تكسير شاذّ على غير القياس عند العرب، ومادة حَدَثَ وحَدُثَ في قواميس اللغة لها معانٍ عدّة هي:

    أ- الجديد من الأشياء ضد القديم، يقال: حَدُثَ حُدُوثاً وحَدَاثة، وحَدُثَ عكس قَدُمَ.

    ب- كلّ كلام يصدر عن أي إنسان متكلِّم، ثم يُنْقَل عنه بواسطة الصوت ممن سمعه منه، أو بواسطة الكتابة منه، ويُطْلَق على كثير الكلام وقليله.

    ج- يطلق على الخبر، ويأتي على القليل والكثير من هذا الخبر.


  • وعلى هذا فحديث النبي هو القول الذي تكلَّم به، ونُقِل إلى الناس بأي طريقة، وهو جديد بالنسبة للمشركين آنذاك من حيث معناه ومدلوله وما يدعو إليه، وكذلك هو ما صدر عن النبي من أخبار سواء كانت قليلة أو كثيرة.

  • 2- تعريف الحديث في اصطلاح المحدّثين:

  • هو ما أُضيف إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة – خَلْقية أو خُلُقية- أو سيرة قبل البعثة أو بعدها.


3- تعريف السُّنَّة في اللغة:

  • هيبمعنى الطريقة المتّبعة أو المعتادة، سواء كانت حسنة محمودة أو سيئة مذمومة، وحُسْنُها أو سوؤها إنّما أتى على سبيل الوصف أو الإضافة.

  • فمن الوصف حديث النبي : "من سنّ في الإسلام سُنّة حسنة، فعمل بها كُتِب له مثلُ أجر من عمل بها، ولا يُنْقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سُنّة سيئة، فعُمِل بها بعده، كُتِب وزر من عمل بها، ولا يُنْقص من أوزارهم عليه شيء"().

  • ومن الإضافة تأخذ كلمة "سُنّة" المدح أو الذمّ حسب المضاف إليه، فمن المدح حديث الصحابي العِرْبَاض بن سارية أنّ النبي قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ"()، وبهذا تكون السنة حسنة ومحمودة. ومن الذمّ ما ورد في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخُدْرِيعن النبي قال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبرٍ وذراعاً بذراعٍ، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبّ لدخلتموه، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟".


4- معنى السّنّة في الاصطلاح:

  • هيما أُضيف إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلْقية أو خُلُقية أو سيرة قبل البعثة أو بعدها.

  • وهي بهذا بمعنى الحديث عند هؤلاء المحدّثين.

  • - فمثال القول: ما تحدّث به النبي في مختلف المناسبات ممّا يتعلّق بتشريع الأحكام، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: "إنما الأعمال بالنيات".

  • - ومثال الفعل: ما نقله الصحابة من أفعال النبي في شؤون العبادة وغيرها، مثل أدائه الصلوات ومناسك الحج وخروجه في الغزوات.


  • - ومثال التقرير: ما اقرّه الرسول من أفعال صدرت عن بعض أصحابه بسكوت منه مع دلالة الرضا، أو بإظهار استحسانه وتأييده لهذه الأفعال؛ فمن إقرار السكوت إقراره عليه الصلاة والسلام لاجتهاد الصحابة في أمر صلاة العصر في غزوة بني قريظة حين قال لهم: "ألا لا يصلين أحدكم العصر إلا في بني قُرَيْظَة"، فقد فهم بعض هؤلاء الصحابة هذا النهي من النبي صلى عليه وسلم على حقيقته، فأخرها إلى ما بعد المغرب، وفهمه البعض الآخر منهم على أنّ المقصود من هذا النهي هو حثّ الصحابة على الإسراع في السير إلى بني قُرَيْظة، فصلى هذا البعض العصر في وقتها، وقد بلغ النبي ما فعل الفريقان من الصحابة، فأقرّهما ولم ينكر عليهما.

  • ومن إقرار الاستحسان والتأييد ما رُوِي من أنّ خالد بن الوليد أكل ضَبّاً قُدِّّم إلى النبي دون أن يأكله، فقال له بعض الصحابة: أَوَ يحرم أكلُه يا رسول الله؟ فقال: "لا، ولكنّه ليس في أرض قومي، أجدني أُعَافِه".


ثانياً: مكانة السنة النبوية وأهميتها في الإسلام

  • للسّنّة النبوية مكانة عظيمة في نفوس المسلمين قديما وحديثا؛ وذلك لما لها من دور مهم في حياتهم إيماناً وفكراً، منهجاً وعلماً، سلوكاً وخلقاً ومنهج حياة، فاعتنوا بها عناية فائقة تليق بها، حيث إنّها المصدر الثاني بعد القرآن الكريم في التشريع والأحكام.

  • فعناية المسلمين بالسّنّة وعلومها – منذ زمن الصحابة إلى زماننا هذا دليل واضح على المعرفة العميقة بأهميتها ومكانتها، ودليل على الإيمان بها والحبّ لصاحبها النبي  الذي وصفه ربُّه سبحانه وتعالى بقوله: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى()، وقد أمر الله المؤمنين أن يأخذوا ما آتاهم به الرسول فقال: وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا()، بل وحذّرهم من مخالفته في أمره فقال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ().


  • ومن هنا أدرك الصحابة الكرام وأهميتها في الإسلاممعنى شهادة أن محمداً رسول الله على أنّها الشِّقّ الثاني من الركن الأول من أركان الإسلام (شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً رسول الله)، كما أدركوا أنّ هذه الشهادة تقتضي التسليم بجميع ما جاء به هذا النبي الكريم ، ومن ثَمّ أدركوا أنّ كلّ ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام من أقوال وأفعال وتقريرات وصفات في أحواله كلّها سنة() يتعيّن عليهم الاقتداء به فيها، وكان مصدر التشريع في عهد النبي كتاب الله وهذه السُنّة التي بيّن فيها النبي مقاصد هذا الكتاب العزيز، وشارح أهدافه، وطبق أحكامه؛ حيث كان النبي المرجع الأعلى في جميع أمور الأمة: في الفتوى والقضاء، وفي التنظيم السياسي والمالي والعسكري وغير ذلك. فإنْ وجد حكماً للقضية في الكريم أخذ به، وإنْ لم يجد انتظر الوحي، أو اجتهد فيها، وقد ينزل الوحي مقرّاً له على هذا الاجتهاد أو مصححاً له؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى لا يقرّ رسوله على خطأ(). وبناءً عليه فالسّنّة تنقسم من حيث مصدرها إلى قسمين:


القسم الأول: الوحي من الله سبحانه وتعالى للنبي بمعنى السّنّة:

  • حيثكان الوحي ينزل بهذه السّنّة على رسول الله كما ينزل بالقرآن، فينزل بالقرآن بلفظه ومعناه،وينزل بالسّنّةبإيحاء معناها لا بلفظها، وفي ذلك يروي المقدام بن معدي كَرِب عن رسول الله أنّه قال: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلّوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرّموه. وقال حسّان بن عطية: كان جبريل  ينزل على رسول الله  بالسّنّة كما ينزل عليه بالقرآن، ولهذا النوع من الوحي صور عدة منها:


1- النَّفْث في الرُّوْع: وتعالى للنبي أي إلقاء المعنى في قلب النبي ، ومثاله قوله عليه الصلاة والسلام: "إن رُوح القُدُس نفثَ في رُوعي: أنّه لن تموت نفس حتى تستوفيَ رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب! خذوا ما حلّ ودعوا ما حرم".

2- نزول جبريل  في صورة بشر: كان الأمين الوحي جبريل  ينزل في صورة بشر، ويسأل النبي  ليعلّم الناس أمور دينهم، مثال ذلك:

  • حديث جبريل  الذي يرويه عمر بن الخطاب : "بينما نحن جلوس عند النبي ........الحديث.


3- نزول الوحي في صورة غير مرئية: وتعالى للنبي كان جبريل  ينزل على الرسولبصورة غير مرئية للصحابة ، ولكن توجد أمارات تدلّ على نزوله، وكان الصحابة يعرفونها، حيث كانت هذه الأمارات تظهر على رسول الله ، مثال هذه الأمارات تصبب العرق من الرسول  حين نزول الوحي.


القسم الثاني: اجتهاد النبي وتعالى للنبي  في بيان ما نزل عليه من القرآن الكريم:

  • وذلك لأنّ السنة شارحة للكتاب العزيز، فإمّا أن يوافق الوحيُ رسولَ الله  ويقرّه، وإمّا أن يراجعه فيصير النبي  إلى ما دلّ عليه الوحي كحادثة أسرى بدروحادثة ابن أم مكتوموغيرهما. وأيّاً كانت السّنّة فهي مقرّة من الله ، ويتعيّن العمل بها؛ لأنّها صادرة عن الوحي حقيقة أو حكما مصداقا لقول الله تعالى: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. قال الإمام ابن حزم الظاهري: (فصحّ لنا بذلك أنّ الوحي ينقسم من الله سبحانه إلى قسمين: أحدهما: وحي متلوّ مؤَّلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن، والثاني: وحي مرويّ منقول غير مؤلّف ولا معجز النظام ولا متلوّ لكنّه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله ).


ثالثاً: مكانة السُّنَّة النبوية من القرآن الكريم

  • القرآن الكريم هو أصل التشريع والدستور الجامع لهذه الأمّة الإسلامية والمرجع الأول لخيري الدنيا والآخرة، وهو القانون المنظِّم لعلاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى، وهو منهج حياة وطريقة سلوك لهذا الإنسان في المجتمع الذي يعيش فيه، لكنّه جاء بمبادئ عامة تحتاج لبيان وتفصيل؛ ومن ثَمّ جاءت السّنّة النبوية المشرّفة بهذه المهمة، وكانت لها وظيفتان أساسيتان:


  • الوظيفة الأولى: من القرآن الكريمالسنة النبوية تابعة للقرآن ومبينة له: كانت مهمة النبي  وسُنّته بيان القرآن الكريم كما قال الله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ …()، ففصّل هذا النبي  أحكامه، وقيّد مُطْلَقَه، وخصّص عامّه، ووضّح مبهمه، وهذا تفصيله:

    1- تفصيل المُجْمَل: كتفصيل أحكام الصلاة، والزكاة وغير ذلك.

    2- تقييد المُطْلَقَ: المُطْلَق هو ما دلّ على الحقيقة بلا قيد. والمقيَّد هو ما دلّ على الحقيقة بقيد. ومنه قول الله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ()، فذكر اليد في الآية مطلق غير مقيَّد، وجاءت السنّة فقيّدت اليد بقطعها من الرسغ.


3- تخصيص العامّ: من القرآن الكريم مثاله قول الله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. فذكر الأولاد في الآية عامّ في جميعهم، فجاءت السّنّة .

  • وخصّصت من هذا العامّ عدم توريث أولاد الأنبياء()، وعدم توريث الولد القاتل لأبيه.

    4- توضيح المبهم: مثاله قول الله تعالى: الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ. عبارة "ولم يلبسوا إيمانهم بظلم" في الآية ذُكِرت مبهمة، فجاءت السّنّة ووضّحت هذا المبهم وبيّنت الظلم هنا بمعنى الشِّرْك.

  • الوظيفة الثانية: السنة تستقل بأحكام ليست موجودة في القرآن: ثبتت بالسّنّة أحكامٌ سكت عنها القرآن مثل تحريم الجمع في الزواج والنكاح بين المرأة وعمّتها وبين المرأة وخالتها، وتحريم الذهب والحرير على الرجال، وتحريم كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع.


رابعاً: حجّيّة السّنّة النبوية من القرآن الكريم

  • تكمن هذه الحجّيّة في كون السنة النبوية المصدرَ الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وقد تثبت بها الأحكام التكليفية الخمسة كما تثبت بالقرآن التي هي: الحلال، والحرام والمندوب والواجب والمكروه، كذلك يجب العمل بما صحّ وصلح للاحتجاج منها، والتحاكم إليها، ولا تجوز مخالفتها، تماماً في هذه الحجّيّة كالقرآن الكريم.

  • يقول الدكتور محمد أبو زهو: "السنة النبوية وحي من الله إلى نبيه محمد ، وهي أصل من أصول الدين، وركن في بنائه القويم، يجب اتباعها، ويحرم مخالفتها، وعلى ذلك أجمع المسلون، وتضافرت الآيات على وجه لا يدع مجالا للشك؛ فمن أنكر ذلك فقد نابذ الأدلة القطعية، واتّبع غير سبيل المؤمنين"().


  • وقد ثبتت حجية السنة النبوية بالقرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع كما يلي:

  • أولا: من القرآن الكريم: فقدأمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بطاعة النبي ، وقرن طاعته بطاعته فقال: وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ().

  • كما حذّر سبحانه وتعالى من التولي عنه، وجعل ذلك من سبيل الكافرين: فقال: قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ().

  • وجعل اتباع السنة دليلا على محبة الله سبحانه فقال: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(). وأوجب التسليم لقضاء الرسول ، والعمل بحكمه، واعتبره ركنا من أركان الإيمان، فقال سبحانه: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(). بل وجعل عاقبة عصيان النبي الخلود والعذاب المهين في النار، فقال سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ().

  • كما دعا الله جلّ وعلا المؤمنين للتأسي والاقتداء بالنبي ، وجعل ذلك علامة لمن يرجو الله واليوم الآخر، فقال سبحانه وتعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا().

  • () الأحزاب:21.


  • ثانيا: من السنة النبوية: بالقرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع كما يلي:جاءت الأحاديث النبوية تدلّ على حجية السّنّة النبوية ووجوب اتباعها، ومن ذلك: قوله : "...عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عَضّوا عليها بالنواجذ" (). وقوله "تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي"()، وغير ذلك من الأحاديث.

  • ثالثا: من الإجماع: أجمع الصحابة والعلماء في جميع العصور على الاحتجاج بالسّنّة والعمل بها. قال الإمام الشوكاني: "إن ثبوت حجية السنة المطهرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية ولا يخالف ذلك إلا من لاحظ له دين الإسلام" ().

  • () حديث صحيح. رواه أبو داود (ح3991) والترمذي (ح2600).

  • () حديث حسن لغيره. رواه مالك في الموطأ ح1395، والترمذي في السنن (ح3718).

  • () إرشاد الفحول 32.


  • خامساً: مراحل تدوين السنة النبوية

  • المرحلة الأولى: تدوين الحديث في عهد النبي 

  • من المعلوم أنه لم يتم تدوين كل من السنة والحديث تدويناً رسميّاً في عهد النبي كما كان الشأن بالنسبة للقرآن الكريم؛ وذلك للنهي الثابت عن النبي من كتابة الحديث أو أي شيء غير القرآن خوف اختلاطه به، وإنما كان الحديث محفوظاً في صدور الصحابةّ الكرام يسمعونه من النبي ويروونه عنه فيما بينهم إلى من بعدهم من التابعين مشافهة، ولكن لم يخل عصره من كتابة بعض الأحاديث وتدوينها بصورة فردية غير منتظمة، وبإذن خاص من الرسول مثل عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الذي قال له النبي : "أكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من فمي إلا الحق"().() سنن الدارمي، المقدمة، باب من رخص في كتابة العلم 1/125 وهو حديث صحيح.


أحاديث النهي عن كتابة الحديث والإذن بالكتابة:

  • وردت أحاديث نهى فيها النبي عن كتابة الحديث، كما وردت أحاديث أخرى أذن فيها بكتابة الأحاديث، وفيما يلي بيان ذلك:

  • أولاً: أحاديث النهي عن كتابة الحديث النبوي: نهى النبي عن أن يُكْتَب عنه شيء غير القرآن الكريم، بل أمر من كتب عنه شيئاً غير القرآن أن يمحوه، ومن أشهر هذه الأحاديث الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخُدْرِي أن رسول الله قال: "لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن، فمن كتب عني شيئاً غير القرآن فليمحه" ().

  • () أخرجه الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الزهد 8/229.


  • ثانياً: أحاديث الإذن بكتابة الحديث النبوي: وردت أحاديث عديدة أذن فيها النبي لبعض الصحابة بكتابة الأحاديث الشريفة، منها:

    1- عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول الله - أريد حفظه - فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلّ شيء! ورسول الله بشر يتكلّم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتابة، فذكر ذلك لرسول الله ، فأومأ بيده إلى فيه، فقال: "اكتب! فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاً حقّ"().


2- شكا رجل من الصحابة إلى النبي الحديث النبوي:قلّة حفظه، فأشار عليه الرسول بالكتابة كما في حديث أبي هريرة قال: كان رجل يشهد حديث النبي فلا يحفظه فيسألني، فأحدّثه، فشكا قلّة حفظه إلى رسول الله فقال له النبي : "استعن على حفظك بيمينك" ().

3- كما أذن الرسول للصحابة أن يكتبوا حديثه كما أخرج الخطيب البغدادي بسنده عن رافع ابن خَدِيجقال: قلنا: يا رسول الله إنا نسمع منك أشياء أَفَنكتبها؟ قال: "اكتبوا! ولا حرج"().

4- بل لقد أمر النبي بتقييد العلم وكتابته كما في حديث كلّ من أنس بن مالك وعبدالله بن عمرو قالا: قال رسول الله : "قيّدوا العلم بالكتاب".()


  • ثالثاً: التوفيق بين أحاديث النهي عن الكتابة وأحاديث الإذن بها:

  • لقد اجتهد العلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث على أقوال عدّة منها ما يلي:

    1- عن طريق النسخ: ذكر بعض المحدّثينأنّ أحاديث النهي عن الكتابة منسوخة لأنّها متقدّمة، أمّا أحاديث الإذن بالكتابة ناسخة لأنها متأخرة؛ فالنهي عن الكتابة إنما كان ّفي أول الإسلام مخافة اختلاط الحديث بالقرآن الكريم، فلما ازداد عدد المسلمين، وعرفوا القرآن الكريم، وأصبحوا يميّزونه من الحديث الشريف، وأُمِن التباسُه واختلاطُه بالحديث حينئذ أذن النبي لصحابته بكتابة الحديث.


  • عن طريق الجمع بين أحاديث النهي عن الكتابة وأحاديث الإذن بها: ورد عن علماء الحديث أقوال عديدة في هذا الجمع والتوفيق بين هذه الأحاديث بالنهي عن الكتابة والإذن بها، ومن أشهر هذه الأقوال القولان التاليان:

    • ذكر بعض العلماء أنّ النهي عن الكتابة خاصّ بكتابة الحديث الشريف مع القرآن الكريم في صحيفة واحدة؛ لأنهم كانوا يسمعون تفسير القرآن فربما كتبوه معه، فنُهُوا عن ذلك خوف الاشتباه بينهما، أمّا الإذن فهو في حالة كتابة كلّ من الحديث الشريف والقرآن الكريم في صحيفة مستقلة – ذُكِر هذا القول عن الصنعاني في التوضيح().

    • وقال آخرون: إنّ النهي عن الكتابة في حقّ من وُثِق بحفظه، وخيف اتّكالُه على الكتابة، أمّا الإذن بالكتابة فهو في حقّ من لا يُوْثَق بحفظه().

  • الراجح هو الجمع بين هذين القولين في قول واحد.


  • ومما ورد كتابته من الحديث في عهد النبي  ما يلي:

    1- الصحيفة الصادقة التي كتبها عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وكان يعتزّ بها، ويقول: ما يرغبني في الحياة إلا الصادقة والوهط".

    2- صحيفة علي بن أبي طالب: وهي صحيفة صغيرة تشمل على العقل (أي مقادير الديات)، وفكاك الأسير.

    3- كتبه إلى أمرائه وعماله فيما يتعلق بتدبير شؤون الأقاليم الإسلامية وأحوالها، وفي بيان أحكام الدين ومن هذه الكتب كتابه الزكاة والديات لأبي بكر الصديق. وكتابه لعمرو بن حزم عامله على اليمن. وكتبه إلى الملوك والعظماء وإلى أمراء العرب، يدعوهم فيها إلى الإسلام، مثل كتابه إلى هرقل ملك الروم، وإلى المقوقس عظيم مصر وغيرهما. وعقوده ومعاهداته التي أبرمها مع الكفار، كصلح الحديبية، وصلح تبوك، ودستور المدينة.


  • المرحلة الثانية: تدوين الحديث في عصر الصحابة :

  • أما بالنسبة للصحابة فقد ثبت أن بعضهم كتب بعض الأحاديث بصورة فردية مثل:

    1- كتاب أبي بكر الصدّيق  لعامله على البحرين أنس بن مالك ، وفيه فرائض الصدقة.

    2- كتاب أبي أيوب الأنصاري صحيفة فيها مائة واثنا عشر حديثاً().

    3- كان أنس بن مالك يملي الحديث على تلاميذه حتى إذا كثر عليه الناس، جاء بمجالٍّ من كتب فألقاها، ثم قال: "هذه أحاديث سمعتها وكتبتها عن رسول الله ، وعرضتها عليه".

    4- كتب معاوية بن أبي سفيان إلى المغيرة بن شعبة رضي الله عنهما: أن النبي كان ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال"().

  • وقد فكر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في تدوين السّنّة والأحاديث تدويناً رسمياً، ولكنّه عدل عن هذا الأمر خوفاً من انشغال المسلمين بالحديث عن القرآن الكريم.


  • المرحلة الثالثة: تدوين السّنّة في عهد التابعين وتابعيهم

  • أولاً: تلقي التابعون علمهم على أيدي الصحابة، وقاموا بكتابة السّنّة وتدوينها بجهود فردية، وأوصوا تلاميذهم بتدوين هذه السنة وكتابتها، وكان ممن كتب ودوّن من التابعين وتابعيهم:

    1- سعيد بن جبير رحمه الله الذي قال: كنت أسير بين ابن عمر وابن عباس فكنت أسمع الحديث منهما فأكتبه على واسطة الرحل حتى أنزل فأكتبه().

    2- وعامر بن شَرَاحيل الشعبي الذي كتب وكان يحضّ تلاميذه على الكتابة، وقال لهم: إذا سمعتم مني شيئاً فاكتبوه ولو في حائط ().

    3- نافع مولى عبدالله بن عمر الذي كان يملي العلم على طلابه، وهم يكتبون بين يديه().

  • ولقد شاع بين التابعين كتابة الحديث بشكل فردي، ولم يتخذ تدوين الحديث بينهم طابعاً عامّاً ورسمياً إلاّ في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، الذيحرص على جمع الحديث وتدوينه مخافة اندثاره وضياع السنة النبوية، والذي كتب إلى أهل المدينة قائلاً: انظروا حديث رسول الله فإنّي خِفْت دروس العلم وذهاب أهله().


  • كما كتب إلى عامله بالمدينة المنورة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قائلاً: أنظر ما كان من حديث رسول الله أو سُنّة ماضية، أو حديث عَمْرة – هي بنت عبدالرحمن مولاة عائشة رضي الله عنها- فاكتبه، فإنّي خِفْت دروس العلم وذهاب أهله().

  • وكذلك أمر محمد بن شهاب الزهري عالم المدينة المنورة بخلافة أبي بكر بن حزم في جمع السنن والأحاديث.

  • ولم يكتف الخليفة عمر بن عبدالعزيز بذلك، بل أرسل الكتب إلى الآفاق يحثّ المسئولين فيها على تشجيع العلم، ودراسة السنة ومذاكرتها وإحيائها، كما كان يجمع الفقهاء والعلماء، ويناقشهم في السنن والأحاديث والعلم.


  • ولقد كان من أسباب هذا التدوين الرسمي للسُّنّة ودواعيه ما يلي:

    1- القيام بصيانة الحديث الشريف من أن يختلط صحيحه بالموضوع والمكذوب على رسول الله .

    2- الخوف على الحديث الشريف من الضياع بموت علمائه ورواته().


  • ثانياً: الرسمي للسُّنّة ودواعيه ما يلي: ثم شاع التدوين في الجيل الذي يلي جيل الزهري وعمر بن عبدالعزيز وهم أتباع التابعين، فجمع الحديث في مكة المكرمة ابن جُرَيج، وفي المدينة سعيد بن أبي عروبة، وفي البصرة حماد بن سلمة، وفي الكوفة سفيان الثوري، وفي الشام الأوزاعي، وفي اليمن مَعْمَر بن راشد، وكذلك فعل سفيان بن عيينة والليث ابن سعد وشُعْبَة بن الحَجّاج وعبدالله بن المبارك وهُشَيْم بن بَشِير وجرير بن عبدالحميد وغيرهم، وهؤلاء كانوا في عصر واحد وكانوا يجمعون الحديث النبوي ويجمعون معه أقوال الصحابة وفتاواهم، مع ضم الأبواب بعضها إلى بعض في كتاب واحد.


المرحلة الرابعة: تدوين السّنّة في القرن الثالث الهجري وما بعده

1-ثم جاء القرن الثالث الهجري الذي يُعَدّ أزهى عصور السّنّةبأئمة الحديث وتآليفهم، وقد أُطْلِق على هذا القرن العصر الذهبي للسّنّة وتدوينها.

  • وقد ابتدأ التأليف في هذا العصر على طريقة المسانيد، وهي: جمع مرويات كلّ صحابي في مكان واحد دون التقيد بوحدة موضوع هذه المرويات، وكان ممن صنّف على هذه الطريقة عبدالله بن موسى العَبْسِي، ومُسدَّد بن مُسَرْهِدالعَبْسي، وأحمد بن حنبل، وعبد بن حُمَيد، ولقد كانت طريقة هؤلاء المصنّفين إفراد حديث النبي بالتأليف والتصنيف دون أقوال الصحابة وفتاوى التابعين، ولكنّهم كانوا يمزجون الحديث الصحيح بغيره، وفي ذلك عناء على طالب الحديث في تعيين هذا الحديث الصحيح من غيره.


2- ثم جاء إمام المحدّثين وأميرهم في الحديث في زمانه الإمام البخاري محمد ابن إسماعيل المتوفَّى سنة (256ﻫ) الذي أفرد الحديث الصحيح بالتأليف في كتابه الصحيح، وتبعه في ذلك تلميذه الإمام مسلم بن الحجّاج

النيسابوري المتوفَّى سنة (261ﻫ) الذي ألّف صحيحه المشهور مقتدياً في ذلك بشيخه البخاري، وتبع هذين الإمامين (البخاري ومسلم) بعد ذلك كثير من أئمة الحديث الذين ألّفوا وصنّفوا كتباً ومصنّفات كثيرة منها: سنن أبي داود وسنن النسائي وجامع (أو سنن) الترمذي وسنن ابن ماجه وسنن الدارمي؛ وكان هذا التأليف والتصنيف على طريقة الأبواب.


3- ثم جاء القرن الرابع الهجري فقام علماؤه بالسير على منوال علماء القرن الثالث الهجري في التأليف والتصنيف على طريقة المسانيد وطريقة الأبواب، كما زاد علماء هذا القرن الرابع الهجري طرائق يسيرة مما استدركوه على طريقتي المسانيد والأبواب، كما قام هؤلاء العلماء بجمع ما جمعه من سبقهم واعتمدوا على نقدهم، وأكثروا من جمع طرق الحديث. ومن أشهر الأئمة في هذا العصر الإمام ابن خُزَيْمة ت(311ﻫ) الذي ألّف كتابه الصحيح، ومنهم الإمام الطّحَاوي ت(321ﻫ)، ومنهم الإمام ابن حِبّان البُسْتِي (354ﻫ)، ومنهم الحافظ الدار قطني ت(358ﻫ) الذي ألّف سننه المشهورة، ومنهم الإمام الطبراني ت(360ﻫ) الذي ألّف معاجمه الثلاثة: الكبير والأوسط الصغير. وبهذا التأليف والتصنيف في القرن الرابع الهجري يكون قد اكتمل تدوين أغلب الأحاديث والسّنّة وجمعها في هذه المصنّفات، وتمييز صحيح هذه الأحاديث والسّنّة من غير الصحيح.


  • ولم يكن لعلماء القرون التالية بعد القرن الرابع الهجري إلاّ بعض الاستدراكات مثل المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبدالله النيسابوري ت(405ﻫ)، ثم وجدت الكتب الجامعة للصحيحين والموطأ وسنن أبي داود والترمذي والنسائي مثل جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الأثير المبارك بن محمد الجَزَري ت(606ﻫ) وكتاب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للمحدّث على بن حسام المتقي الهندي ت(975ﻫ) – الذي هو أجمع كتب هذا الفن، وكتاب الجامع الصغير لأحاديث البشير النذير للحافظ السيوطي ت(911ﻫ) وغير ذلك من المصنّفات والمؤلّفات.


سادساً: أشهر كتب الحديث والسنة بعد القرن الرابع الهجري إلاّ بعض الاستدراكات مثل المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبدالله

  • من أشهر هذه الكتب في الحديث والسّنّة ما عُرِف بالكتب الستة وهي:

  • 1- الجامع الصحيح للإمام البخاري:

  • أصح كتاب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى، وأول كتاب صنف في الصحيح المجرد، وسبب تأليفه قول اسحق بن راهوية: (لو جمعتم كتاباً مختصراً لصحيح سنة النبي ، قال البخاري: (فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع الجامع الصحيح)، ابتدأ تأليفه بالحرم الشريف، ولبث في تصنيفه ست عشرة سنة، وأتمه ببخارى، وما كان يضع فيه حديثاً إلا بعد أن يغتسل ويصلي ركعتين ويستخير الله في وضعه، روى الفربري عن البخاري قال: (ما أدخلت في الصحيح حديثاً إلا بعد أن استخرت الله تعالى وتيقنت صحته).

  • لقد اقتصر في جامعه على الصحيح، ولكنه لم يستوعب كل الصحيح من الحديث فقد ترك من الحديث الصحيح أكثر مما أثبته لئلا يطول الكتاب().


  • عدد أحاديثه: بعد القرن الرابع الهجري إلاّ بعض الاستدراكات مثل المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبدالله

  • وجميع ما في صحيح البخاري من الأحاديث الموصولة بلا تكرير: (2602) حديثاً.

  • ومن المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر من الجامع (195) حديثاً وإن جملة ما في الكتاب من التعاليق (1341) حديثاً.

  • وإن جملة ما في الصحيح من المتابعات: (344) حديثاً.

  • فعلى هذا: فجميع ما في الصحيح بالمكرر (9082) حديثاً.

  • وهذا الرقم لا يشتمل على ما في الكتاب من الموقوفات على الصحابة، والمقطوعات عن التابعين فمن بعدهم.


  • مزاياه وخصائصه: بعد القرن الرابع الهجري إلاّ بعض الاستدراكات مثل المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبدالله

    1- سهولة العثور على الحديث فيه ومعرفة درجته لكونه مرتباً على طريقة الكتب والأبواب الفقهية أي الموضوعات، واختص بجمع الصحيح وليس فيه من ضعيف ولا حسن.

    2- إن أحاديثه متصلة الإسناد وما وقع فيه غير موصول فهو عرض قليل.

    3- هذا الكتاب مختصر للصحيح من الحديث، ولم يستوعب كل الصحيح قال البخاري (أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ولم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحاً وما تركت من الصحيح أكثر وخرجته من ستمائة ألف حديث، وصنفته قي ست عشرة سنة وجعلته حجة فبما بيني وبين الله سبحانه).

    4- هدفه من الكتاب:استنباط أحكام الفقه، وإيراد السيرة النبوية، وتفسير القرآن.


5- في الكتاب تكرار للأحاديث، وتقطيع لها، وذلك: لأن الحديث الواحد قد يتضمن أحكاماً عديدة،فيورده في مواطن متعددة من الكتاب. وتحت عناوين مختلفة،تناسب الحكم المستنبط.

  • إنه كتاب حديث وفقه واستنباط، لا يقتصر على سرد الحديث،بل يتعداه إلى فقهه وشرحه ودراسته، وأحياناً يربط الترجمة - العنوان - بالحديث والآية فيغدوا باحثاُ ومقرراً.

  • 6- لقد حظي كتاب البخاري بألوان من التحقيق والخدمة، شرحاً وتعريفا ًبرجاله وفهرسة، ما لم يحظ بها كتاب آخر من كتب الحديث ومن أمثلة هذه الشروح:

    7- فتح الباري في شرح صحيح البخاري:لابن حجر العسقلاني، وعمدة القاري في شرح صحيح البخاري: للإمام العيني، وإرشاد الساري في شرح صحيح البخاري: للقسطلاني().


  • 2- الجامع الصحيح للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري:

  • صحيح مسلم هو ثاني الكتب الستة بعد صحيح البخاري، اختاره الإمام مسلم من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة().

  • مزاياه:

    1- هو أحد الصحيحين المشهود لهما بعلو الرتبة، ومرتب على ترتيب البخاري.

    2- عدد أحاديثه أكثر من عدد أحاديث البخاري، فبلغت أحاديثه اثنا عشر ألف حديث، وعدد أحاديثه بغير المكرر أربعة آلاف().

    3- أحاديثه صحاح وليس فيها ضعيف، أو حسن.


4- جمع طرق كل حديث في موضع واحد،ليتضح اختلاف المتون، وتشعب الأسانيد، يرتب الأسانيد بحسب قوتها، يقدم الأصح منها، ويتبعها بأدنى منه رتبة.

5-امتاز كتابه بدقة الترتيب، ولم يضع لكتابه تراجم – عناوين – كما صنع البخاري، أما التراجم الموجودة في شرح مسلم فهي من وضع الإمام النووي().

6- في الكتاب مقدمة مهمة في علم أصول الحديث، وبيان سبب التأليف.

  • 7- قتصر كتابه على الحديث المرفوع ولم يتضمن الموقوف إلا نادراً، فقد يذكرها تبعاً لا قصداً.

    8- ليس في صحيح مسلم حديث معلق، قد حذف أول سنده، إلا في موضع واحد في التيمم، وقد ذكر السيوطي مواضع أخرى لأحاديثه معلقة، إلا أنه قال عنها: إن مسلماً أوردها معلقة بعد أن أوردها متصلة، ولذا فلا تعتبر معلقة ومجموعها ستة عشر موضعاً().


  • 3- سنن أبي داود: واحد،ليتضح اختلاف المتون، وتشعب الأسانيد، يرتب الأسانيد بحسب قوتها، يقدم الأصح منها، ويتبعها بأدنى منه رتبة.

  • مزاياه:

    1- عدد أحاديثه (4800) حديثاً، اختارها من (500 ألف) حديث، قال رحمه الله: كتبت عن رسول الله  خمسمائة ألف حديث، انتخبت ما ضمنته، وجمعت في كتابي هذا أربعة آلاف وثمانمائة حديث من الصحيح وما يشبهه، وما يقاربه).


2 -الكتاب يهتم بالمتون، ويذكر طرق الحديث اختلاف ألفاظها.

3 - يهتم الكتاب بفقه الحديث، أكثر من اهتمامه الأسانيد.

4- يذكر في الباب أحاديث قليلة، ولا يعيد الحديث في الباب إلا لزيادة فيه.

5- يختصر الحديث الطويل، ليدل على موضع الاستشهاد.

6- يشير إلى الحديث الذي فيه وهن شديد، ويبينه، قال في رسالته إلى أهل مكة: (وما في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته).

7- ليس فيه من الآثار، وقد يفاضل بين حديثين فيقوي أحدهما على الآخر.

8- اشتمل على كثير من المراسيل.


4- سنن الترمذي: الحديث اختلاف ألفاظها.

  • رتب كتابه على الأبواب مقتدياً بالبخاري، ومسلم، وأبي داود، فجمع بين طرقهم، وأضاف عليها بيان مذاهب الصحابة، والتابعين، وفقهاء الأمصار، فجاء كتابه جامعاً.

  • اختصر طرق الحديث اختصاراً لطيفاً،و كان حسن الترتيب قليل التكرار.

  • حكم على الأحاديث وميزها ما بين صحيح أو حسن أو ضعيف مع بيان سبب الضعف وبين المستفيض والغريب والمعل، سكت عن بعض الأحاديث.

  • ليس في سنن الترمذي حديث موضوع ولا يعتد برأي ابن الجوزي الذي أشار إلى وجود ثلاثة وعشرين حديثاً من الموضوعات

  • كتابه أيسر تناولاً لطالب العلم من الصحيحين.


5- سنن النسائي (المجتبى): الحديث اختلاف ألفاظها.

  • مزاياه:

  • أقل الكتب الستة بعد الصحيحين حديثاً ضعيفاً، ولذلك ذكروه بعد الصحيحين في المرتبة، لأنه أشد انتقاداً للرجال، وشرطه أشد من شرط أبي داود والترمذي وغيرهما.

  • اهتم بفقه الحديث وفن الإسناد، فرتب الأحاديث على الأبواب ووضع لها عناوين وجمع أسانيد الحديث الواحد في مكان واحد.

  • اهتم بعلم الحديث رواية ودراية، وعلل الحديث، لا يكاد يخرج لمن يغلب عليه الوهم ولا لمن كان فاحش الخطأ().


6- سنن ابن ماجه: الحديث اختلاف ألفاظها.

  • اشتمل الكتاب على (4000) أربعة آلاف حديث.

  • فيه زوائد كثيرة عما ورد في الكتب الخمسة، وقد اختلف العلماء في الحكم عليها، فيرى المزي أن كل ما انفرد به ابن ماجه عن الخمسة ضعيف، ولكن الحافظ ابن حجر يقول: إنه انفرد بأحاديث كثيرة صحيحة().

  • () الفصل المبين للقاسمي ص113، ومعالم السنة ص220.


كما اشتهر من كتب الحديث والسنة ما يلي:

  • المسند: للإمام أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشَّيْبَاني، ولد ببغداد سنة 164 ﻫ، وتوفي فيها سنة 241ﻫ.

  • الموطّا: لإمام دار الهجرة – المدينة المنورة- مالك بن أنس الأصبحي، ولد بالمدينة المنورة سنة 93ﻫ، وتوفي فيها سنة 179ﻫ.

  • سنن الدارمي: للإمام أبي محمد عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي، ولد في سمرقند سنة 181ﻫ، وتوفي فيها سنة 255ﻫ.

  • وهذه الكتب الثلاثة تتمّم مع الكتب الستة سالفة الذكر الكتب التسعة.


سابعاً: التثبت في رواية الحديث الشريف

1- كان من هدي النبي التثبّت والتبيّن في الحكم والقضاء بين الناس مسترشدا بقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ…()، وكذلك كان التثبّت والتحقّق من هديه فيما يتعلق بنقل الأخبار وروايتها، وأوصى صحابته الكرام بذلك، فقال : "نضّر الله امرأ، سمع منا شيئا فبلّغه كما سمع، فرُبّ مبلِّغ أوعى من سامع"()، وقال : "كفى بالمرء إثماً أن يحدّث بكلّ ما سمع"().


2- وقد حفظ الصحابة الكرام عن نبيهم ذلك التثبّت والتبيّن، فاعتنوا بالحديث الشريف حفظا وعملا، وكانوا يتحقّقون ويحتاطون ممّا يسمعونه، ويصل إليهم، متثبتين من الراوي والمروي؛ وذلك مخافة الوقوع في الخطأ، وخوفا من تسرّب الكذب على النبي أو التحريف للسنة النبوية، فاتّبعوا كلّ سبيل يبقي على الحديث نوره، فآثروا الاعتدال في الرواية عن رسول الله بل فضّل بعضهم الإقلال من الرواية، حتى إنّ منهم من كان لا يروي في السنة حديثاً واحداً، أو تأخذه الرعدة والرجفة عند رواية الحديث مخافة الوقوع في الخطأ أو الزلل، روى ابن ماجه عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني ابن مسعود عشية خميس إلا أتيته فيه، قال: فما سمعته يقول لشيء قط: قال رسول الله فلما كان ذات عشية قال: قال رسول الله ، قال: فنكس، قال: فنظرت إليه، فهو قائم محلّلة أزرار قميصه، قد اغرورقت عيناه، وانتفخت أوداجه، قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبا من ذلك، أو شبيها بذلك().(


3- وقد كان هؤلاء الصحابة يفعلون ذلك مستضيئين بكتاب ربهم، ومسترشدين بما تواتر أو اشتهر من سُنّة رسول الله ؛ فأخذوا الحديث بحيطة بالغة وحذر شديد، فما اطمأنت قلوبهم إليه من الحديث بأن كان متواترا أو مشهورا، أو آحادا لم يكن في رواته من يُشَكّ في حفظه وضبطه قبلوه وعملوا به، ولم يطلبوا عليه شاهدا ولا دليلا، وما لم تقم البنية على صدقه مما وقع فيه الشكّ أو كان مخالفا لكتاب الله ردّوه على قائله().

  • () أنظر الحديث والمحدثون ص69.


4- وقد حمل جُلّ الصحابة لواء المحافظة والتثبيت في رواية الحديث، ولكن تميّز وظهر منهم بشكل واضح ثلّة في مقدمتهم الخلفاء الراشدون أجمعين، فسَنّوا للناس بذلك سنة حسنة على النحو التالي:

  • - تثبت أبي بكر الصديق : كان أول من احتاط في قبول الأخبار، فقد جاءت الجَدّة إلى أبي بكر تلتمس أن تورّث، فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئا، وما علمت أن رسول الله ذكر لك شيئا. ثم سأل الناس، فقام المغيرة بن شعبة ، فقال: كان رسول الله يعطيها السدس، فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مَسْلَمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر .


  • فهذا الخبر يدلّ على أنّ مراد الصديق التثبّت في الأخبار والتحرّي لا سدّ باب الرواية، ألا تراه لما نزل به أمر الجدة ولم يجده في الكتاب كيف سأل عنه في السنة فلما أخبره الثقة ما اكتفى حتى استظهر بثقة().


  • تثبت عمر بن الخطاب الصديق التثبّت في الأخبار والتحرّي لا سدّ باب الرواية، ألا تراه لما نزل : كان عمر  قد اقتدى بالصدّيق أبي بكر الذي سنّ للمحدثين التثبت في النقل، ولكنّ عمر كان شديداً في هذا المبدأ من التحرّي والتثبت خوفاً من الكذب على الرسول ، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب، كما في حديث أبي نََضْرَة عن أبي سعيد الخُدْريأنّ أبا موسى الأشعري سلّم على عمر من وراء الباب ثلاثة مرات، فلم يؤذن له، فرجع، فأرسل عمر إليه في رجاءٍ، فقال: لِمَ رجعت؟ قال: سمعت رسول الله يقول: "إذا سلّم أحدكم ثلاثا، فلم يُجَب فليرجع"، قال: لتأتيّني على ذلك ببيّنة أو لأفعلنّ بك، فجاءنا أبو موسى منتقعاً لونُه ونحن جلوس، فقلنا: ما شأنك؟ فأخبرنا، وقال: فهل سمع أحد منكم؟ فقلنا: نعم، كلّنا سمعه، فأرسلوا معه رجلاً منهم حتى أتى عمر فأخبره().

  • () نفس المصدر1/6 وما بعدها فقد ذكر جملة من الأخبار عن عمر تدل على حرصه وتثبته. ورواه بنحوه البخاري (ح 5776)، وكذلك مسلم (ح4006).


  • لم يرد الخليفة عمر الصديق التثبّت في الأخبار والتحرّي لا سدّ باب الرواية، ألا تراه لما نزل  اتهام أبي موسى الأشعري بل أحبّ عمر أن يتأكّد ويتحرّى ويتثبّت من خبر أبي موسى بقول صحابي آخر.

  • وقد كان عمر  يخشى أن يخطئ الصحابة على رسول الله ، ومن ثَمّ كان يأمرهم أن يقلّوا الرواية عن نبيهم  حتى لا يتشاغل الناس بالأحاديث عن حفظ القرآن الكريم.وكان معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما يقول: عليكم من الحديث بما كان في عهد عمر، فإنّه كان قد أخاف الناس في الحديث عن رسول الله ().() رواه مسلم في صحيحه (ح1719).


  • وعلى منهج أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في التثبت والتحري في الرواية عن الرسول  سار الخليفتان الراشدان بعدهما عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنها.

  • هذا الفعل من الخلفاء الراشدين إنما هو من باب التأكيد والحث على التثبت كما صرح به عمر وغيره، وليس على سبيل الشرط في قبول الأخبار كما قد يفهم ذلك بعض أهل العلم.

  • وعلى هدي النبي ، وتوجيه الخلفاء الراشدين سار الصحابة الكرام تثبّتاً وتحقّقاً وتحريّاً في الرواية عن رسول الله ؛ وذلك للحفاظ على حديثه وسنته وصيانتهما من الكذب عليه.


  • ومن مظاهر احتياط هؤلاء الصحابة الكرام وتثبتهم أنّهم كانوا يؤكّدون على استعمال الحكمة في رواية الحديث، فلا يحدّثون إلاّ لمن هو أهل لتلقي الحديث وسماعه، وكانوا يحدّثون الناس على قدر عقولهم ومداركهم. قال علي بن أبي طالب : حدّثوا الناس بما يعرفون أتحبّون أن يُكَذَّب اللهُ ورسولُه، وقال عبدالله بن مسعود : ما أنت بمحدّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلاّ كان لبعضهم فتنة().

  • وبعد عهد هؤلاء الصحابة الكرام شاع بين المحدّثين منهج التثبت والاحتياط في الرواية، ووضعوا له ضوابط وقوانين، حتى إن بعض البلدان تميّزت عن بعض في ذلك.


ثامناً: الرحلة في طلب الحديث الكرام

  • - كان الصحابة حريصين أشدّ الحرص على تعلّم القرآن والحديث والعلم من رسول الله ، فوفدوا إليه، فمنهم من سكن المدينة المنوّرة، فكان يلزمه في المسجد أو في حلّه وترحاله، ومنهم من يأتيه من حين لآخر، وقد تأتيه وفود القبائل لتحمل عنه ذلك العلم؛ ومن ثَمّ تفاوت الناس في الأخذ عنه قلّة وكثرة، فمنهم من حفظ الحديث، ومنهم من حفظ الحديثين أو أكثر، ومنهم المكثرون في الحفظ والرواية عنه.


  • - ولمّا انتقل الرسول الكرام إلى الرفيق الأعلى حرص الصحابة على نشر الحديث بين الناس، فتفرقوا في الأمصار، ورحل بعضهم إلى بعض ليسمع ما لم يسمعه ولو كان حديثاً واحداً، أو يذاكر مع صحابي آخر الحديث الواحد أو أكثر، ورحل الناس من التابعين إلى الصحابة ليأخذوا عنهم الأحاديث والعلم، واقتدوا بأولئك الصحابة في الرحلة فقلدوهم، ثم انتشرت الرحلة كثيراً بين العلماء والمحدّثين في عصر هؤلاء التابعين وعصور من تبعهم؛ فغدت الرحلة في طلب الحديث مَعْلَماً من معالم هؤلاء المحدّثين والعلماء؛ وّذلك لما فيها من الفوائد الكثيرة.

  • - ولمّا كان للرحلة في طلب الحديث من فوائد عدّة فقد قضى المحدّثون من السلف الصالح الأوقات الطويلة، وأنفقوا الأموال الكثيرة في رحلاتهم، وتحملّوا الصعاب والمشاقّ لينهلوا ويحفظوا من العلماء ومن أحاديثهم.


  • قال جابر بن عبدالله الكرام : بلغني عن رجلٍ حديثٌ سمعه عن رسول الله؛ فاشتريت بعيراً، ثم شددت رَحْلِي، فسرت إليه شهراً، حتى قدمت الشام، فإذا عبدالله ابن أُنَيْس، فقلت للبوّاب: قل: له جابرٌ على الباب. فقال: ابنَ عبدالله؟ قلت: نعم، فخرج يَطَأ ثوبه، فاعتنقني واعتنقته، فقلت: حديثٌ بلغني عنك أنّك سمعتَه من رسول الله يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة – أو قال: العباد – عُرَاة غُرْلاً بُهْمَاً"، قال: قلنا: وما بُهْمَاً؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه مَنْ بَعُدَ كما يسمعه من قَرُبَ: أ


  • نّا الكرام الدَّيَّان، أنا الملك، لا ينبغي لأحد من أهل النار أنْ يدخل النار ولأحد من أهل الجَنّة حقّ عنده حتى أقضيه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجَنّة أنْ يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حقّ حتى أقضيه منه حتى اللطمة"، قال: قلنا: كيف هذا! وإنّما نأتي عُراة غُرْلاًبهما؟ قال: "بالحسنات والسيئات"().

  • - ولأهمية الرحلة فقد ذمّ العلماء المحدّث الذي لا يرحل، كما قال يحيى بن مَعِين: أربعة لا تؤنس منهم رشداً؛ حارس الدرب، ومنادي القاضي، وابن المحدّث، ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث().


فوائد الرحلة في طلب الحديث: الكرام

  • ذكر العلماء لهذه الرحلة فوائد عدّة كما يلي:

    1- علوّ الإسناد: المراد بهذا العلوّ الاختصار في حلقات الإسنادإلى النبي، فهذاأبو العالية الرِّيَاحي (من كبار التابعين) يقول: كنّا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله ، فلم نرضَ حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم().

  • وهذا الإمام أحمد بن حنبل قيل له: أيرحل الرجل في طلب العلوّ؟ فقال: بلى! والله شديداً، لقد كان عَلْقَمة والأسود النَّخَعيان يبلغهما الحديث عن عمر ، فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعان منه علوّ الحديث().


2- مذاكرة الحديث بين المحدّثين: الكرام المحدث عندما يلقى الآخر ربما راجع وربما ذاكر الاثنان مع بعضهما ما يحفظان، أو لعلّ التلميذ يذاكر شيخه ما أخذه منه سابقا؛ لذلك شجّع العلماء الرحلة لأجل هذه المذاكرة، فعن أبي سعيد الخُدْرِيقال: تحدّثوا! فإنّ الحديث يهيّج الحديث(). وقال عليّ بن أبي طالب: تزاوروا، وتذاكروا الحديث! فإنّكم إنْ لم تفعلوا يُدْرَس(). وقال عكرمة: تذاكروا الحديث! فإنّ إحياءه ذكرُه().


3- تحصيل علم الآخرين ممّا لم يسمعه المحدّث: قال عبدالله بن مسعود : والذي لا إله غيره لقد قرأت من فِي رسول الله بضعاً وسبعين سورة، ولو أعلم أحداً أعلم بكتاب الله مني تبلغني الإبل إليه لأتيته().

4- العمل على نشر العلم والأحاديث في الأقاليم الإسلامية: وذلك قياماً بواجب تبليغه وأداء الأمانة في ذلك.

5- التعرّف على طرق جديدة للحديث: وذلك من أجل دعم وتقوية الحديث، أو من أحل معرفة الزيادة في متن هذا الحديث وفي إسناده.

6- معرفة رواة إسناد الأحاديث: وذلك من التعرّف على أحوال هؤلاء الرواة ممّا يساعد في معرفة صحّة الحديث من عدمها.


تاسعاً: الحاسب الآلي في خدمة السنة النبوية

  • يشهد العصر الحديث تطوّراً في جميع المجالات مما استدعى ضرورة استخدام التقنيات الحديثة التي تواكب التطور في المجالات المختلفة على الصعيد الشخصي في البحث عن المعلومات، وسهولة الوصول إليها، والانفتاح على العالم بحضاراته وثقافاته المتنوعة.

  • وقد سهّلت تقنية الحاسب الآلي والتطورات المتلاحقة كثيراً من الأعمال الروتينية المكتبية وغيرها، ولا تكاد دائرة من الدوائر تخلو من توظيف تقنية الحاسب الآلي فيما يخدم مصالحها وييسرها،


  • ومع ظهور الحاسبات الشخصية اتّسع نطاق استخدام الحاسب من قبل جميع فئات المجتمع ومع ظهور تقنية الوسائط المتعددة كثر استخدام الحاسب في الأغراض التعليمية والثقافية والترفيهية وغيرها، ولقد تغلغل استخدام الحاسب في جميع المجالات، وقدّم تسهيلات لا تتوافر في غيره من وسائل نقل المعرفة والمعلومات خاصة عبر شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت). ولقد استفادت جميع العلوم ومنها الإسلامية من هذه التقنيات الحديثة، ونركز في هذا الموضوع على استخدام برامج الحديث في تخريج الأحاديث النبوية.


أهمية استخدام الحاسب الآلي في برامج الحديث الشريف وفوائده:

  • لقد وُظِّف الحاسب الآلي في خدمة تخريج الأحاديث النبوية الشريفة، حيث ظهر عدد من البرامج والموسوعات التي تحوي مئات آلاف الأحاديث، وجمعت هذه البرامج أمهات كتب السّنّة، بل إنّ مئات كتب الحديث التي لا فهارس لها حُمّلت على أقراص الليزر(CDROM)، أو متاحة على الإنترنت مما سهّل معه تخريج الحديث من بطون هذه الكتب بيسر وسهولة، ولا شكّ أنّ توافر مثل هذه البرامج سهّل كثيراً مهمة العثور على الأحاديث في مظانّها، ولقد كان من دأب المحدّثين قديماً وحديثاً تسهيل وتقريب سنة المصطفى  لطلاب الحديث وغيرهم من المسلمين، كما فعل ابن الأثير في جامع الأصول في أحاديث الرسول، والسيوطي في جامعيه الصغير والكبير، كما وّفرت برامج الحديث النبوي الشريف طرقاً في التخريج لا يمكن بحال أن تتوافر في كتب التخريج المطبوعة.


  • إنّ تخريج الأحاديث النبوية باستخدام برامج الحاسب أداة في غاية الأهمية للمتخصص أو الباحث غير المتخصص على حد سواء، فإمكانات الحاسب المتقدمة مثل ضخامة الذاكرة، وسرعة استرجاع المعلومات وغيرها جعلت منه وسيلة فعّالة في جمع آلاف النصوص الحديثية ومقارنتها، فعلى سبيل المثال نجد أن برنامج الموسوعة الذهبية للحديث النبوي الشريف وعلومه يحوي قرابة مائتي آلف حديث بأسانيدها جمعت في قرص واحد، وبإمكان الباحث أن يبحث عن جميع طرق الحديث سنداً ومتناً، ويقارن بين الروايات، كذلك يوفر هذا البرنامج طباعة النص الحديثي وجميع رواياته، إلى غير ذلك من الخدمات المهمة التي سهلت للمختصين التعامل مع هذا الكم الهائل من النصوص في دقائق معدودة.


التعريف ببعض برامج الحديث الشريف على الحاسب:

  • من أشهر هذه البرامج الموسوعات الحديثية التالية:

  • أولاً: موسوعة الحديث الشريف (الكتب التسعة):

  • تتميّز هذه الموسوعة بأنّها أكثر البرامج دقّة ومراجعة، وأنّ المراجع كلّها مضبوطة بالشكل كاملة، وهذه الموسوعة من إنتاج شركة العالمية (صخر)، وتكمن أهمية هذه الموسوعة في الأمور التالية:

    • إمكانية البحث فيها عن الحديث بطرق عدة هي:

      • معرفة كلمة في الحديث .

      • معرفة راوي الحديث.

      • البحث الصرفي.


  • البحث بدلالة تخريج الحديث. على الحاسب:

  • البحث بدلالة موضوع فقهي.

  • عرض شجرة تخريج الحديث في الكتب التسعة.

  • أقوال العلماء في الحكم على كلّ راوٍ في الكتب التسعة جرحاً وتعديلاً.

  • إمكانية المقارنة بين متون الأحاديث وأسانيدها بعد تخريجها.

  • إمكانية طباعة أي نص في هذه الكتب.

  • مكانية نسخ أي نص من هذه الكتب.


  • ثانيا: موسوعة المكتبة الألفية للسنة النبوية:

    • تتضمن هذه الموسوعة ألف وثلاثمائة كتاب في مجالات العلوم الإسلامية: التفسير، ومصنّفات الحديث التي تشتمل على (الجوامع والسنن والمصنفات والمسانيد والموطأ والمعاجم والكتب ذات الموضوع الواحد أو المواضيع المتعددة، بالإضافة إلى كتب شروح الأحاديث وكتب التراجم العامة، وتراجم الرواة خاصة، وفي الثقات منهم أو الضعفاء والمتكلم فيهم أو تراجم بلدان خاصة، وفي الطبقات والصحابة، وكتب المبهم والمشتبه، ومصطلح الحديث وعلله)، وكتب الفقه، وكتب غريب الألفاظ، وكتب المعاجم، وكتب الفهارس.


    • ويمكن الاستفادة من هذه الموسوعة في المجالات التالية:

      • الإطلاع على كتاب محدد تختاره من قائمة المصادر.

    • الإطلاع على كتابين في آن واحد تختارهما من المصادر.

    • التعرف على بطاقة أي كتاب تختاره يبين لك المعلومات الكاملة عن الكتاب: اسمه ومؤلفه ودار النشر والطبعة وسنتها ومكان النشر.

    • البحث وهذا يتيح لك البحث في جميع المصادر أو في بعضها كما تحدده أنت من قائمة المصادر حسب المجال الذي تريد.

    • البحث الموضوعي الذي يتم فيه عرض جميع الموضوعات التي في كتب البرنامج لتمكنك من البحث عن الموضوع أو العنوان من جميع الكتب.

    • الوصول إلى ترجمة الراوي الذي تبحث عنه من كتاب أو من مجموعة كتب.

    • الوصول إلى شرح المعاني والغريب من كتب اللغة وغريب الحديث.

    • العثور على الحديث الذي تريد معرفته من الكتب الحديثية.


    ثالثاً: الموسوعة الذهبية للحديث الشريف وعلومه:

    • اشتملت هذه الموسوعة الذهبية على مائة وثمانية وعشرين مرجعاً في القرآن الكريم وتفسيره، وكتب متون الحديث وعددها ثلاثة وخمسون مرجعاً، وكتب الرجال وعددها أربعة وخمسون مرجعاً، وكتب الشروح وعددها ستة مراجع، وكتب تخريج الأحاديث وعددها اثنان، وكتب الأصول والمصطلح وعددها سبعة مراجع، وكتب أخرى في اللغة والفهارس واختلاف الحديث.

    • وقد بلغت عدد المرويات من هذه الكتب حوالي مائتي ألف رواية، وعشرات الآلاف لتراجم الرواة، كما أوردت الموسوعة ثمانين ألف حكم على الأحاديث للعلماء.


    • ويمكن الاستفادة من الموسوعة الذهبية في مجالات عدة هي: البحث الصرفي، وتخريج الأحاديث، والبحث الموضوعي، والبحث عن الرواة، والبحث بدلالة الآيات القرآنية، والبحث في الأبيات الشعرية، والبحث عن معاني المفردات وغريب الحديث، كما تضمنت موسوعات الأطراف، والتراجم.

    • ومن الجدير ذكره أنّ بعض البرامج في الحديث الشريف وغيره من العلوم الإسلامية لا تخلو من بعض الهنات والإشكاليات هنا وهناك، مثل الأخطاء المطبعية في المتن أو الإسناد أو فيهما معاً، وهذا أمر يجب التنبه له والتدقيق والتمحيص من قبل مستخدمي هذه البرامج؛ لأنّ الخطأ في مثل هذه الأمور يعقبه تبعات.


    عاشراً: منهج النبي الذهبية في مجالات عدة هي: البحث الصرفي، وتخريج الأحاديث، والبحث الموضوعي، والبحث عن الرواة، والبحث بدلالة الآيات القرآنية، والبحث في الأبيات الشعرية، والبحث عن معاني المفردات وغريب الحديث، كما تضمنت موسوعات الأطراف، والتراجم.  في الرواية والتعليم والإرشاد

    • لقد كان للنبي  منهجه المتميّز في روايته للحديث وتعليمه المسلمين أمور دينهم، وتبليغه دعوة الإسلام ونشره العلم؛ وذلك لأنّه كان النبي والرسول والقدوة والمعلّم والمربّي والأب والزوج والداعي إلى الله سبحانه وتعالى بحقّ وصدق، ولقد كان من أهم وأشهر ما يمثّل هذا المنهج الأمور التالية:


    1- إتباع أسلوب التدرج في التعليم وتبليغ دعوة الله تعالى:

    • حيث إن النبي  كانت مهامه الرئيسة المكلف بها من الله  هي بيان القرآن وشرح معانيه وأهدافه وإفتاء الناس، وتوضيح الحلال والحرام لهم، والفصل في الخصومات بينهم، وإقامة الحدود على العصاة منهم، وسياسة أمور الدولة الإسلامية التي أنشأها في المدينة المنورة وأخذت رايتها تنتشر خارج حدودها.

    • وهذه المهام لا يمكن تحقيقها جملة واحدة بل كان لا بد من إتباعه  أسلوب القرآن الكريم في التدرج في التشريع وبيان الأحكام لانتزاع العقائد الباطلة والعادات السيئة الضارة ومحاربة المنكرات التي كانت منتشرة في الجاهلية، ومن ثم الاستعاضة عن ذلك بالعقائد الصحيحة والعادات المفيدة والعبادات والأحكام والمعاملات السليمة، والدعوة إلى الأخلاق الرفيعة والقيم العالية والآداب السامية؛ وذلك كلّه لأنّه لم يكن من السهل تحقيقه فجأة وتغيير حياة الناس من جاهلية وكفر إلى معرفة وإيمان.


    2- اتخاذ المقر والمكان الذي يلتقي فيه بأصحابه وبالناس جميعاًً:

    • حيث - اتخذ النبي  في مكة دار الأرقم بن أبي الأرقم ومنزله  ليكونا مقرّاً يجتمع فيه بأصحابه وبالمسلمين ليعلمهم أمور دينهم ويحفظهم القرآن الكريم الذي يتنزل عليه.

    • - ثم اتّخذ الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة – بعد هجرته إليها- المسجد النبوي الشريف الذي أصبح مقرّه الرئيس للعلم والإفتاء والقضاء والعبادة وتسيير الجيوش واستقبال الوفود وإبرام الاتفاقات وقضاء أمور المسلمين والناس جميعاً.


    • - وكان فيه بأصحابه وبالناس جميعاًً:  يستغل بعض بيوت المسلمين لتكون ملتقى لبعض أصحابه ليعلم بعضهم بعضاً كما كان خباب بن الأرت يعلم سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب -أخت عمر ابن الخطاب –  القرآن الكريم وأحكام هذا الإسلام العظيم كما في قصة إسلام عمر .

    • - كما كان النبي  يستغل بيوت أزواجه أمهات المؤمنين في تعليم النساء أحكام النساء وفقههنّ.


    3- إعطاء الفرص الممكنة لتبليغ الأحكام:

    • حيث كان  يفسح المجال أمام المسلمين والناس جميعاً لاستفتائه والاستفهام منه وسؤاله عن أمور دينهم في الطريق وفي جميع المناسبات في سفره وإقامته وحله وترحاله وسلمه وحربه، كما كان يكثر عليه الصلاة والسلام من عقد مجالس العلم حيث يجتمع حوله أصحابه حلقاً ليذكرهم بالله ويبين لهم الحلال والحرام ويتخوّلهم بالموعظة بين حين وآخر مخالفة السآمة والملل أنّ يدخل نفوسهم.

    • قال عبدالله بن مسعود : كان النبي يتخوّلنا بالموعظة في الأيام مخالفة السآمة علينا().

    • وقال أنس بن مالك : إنما كانوا إذا صلّوا الغداة قعدوا حِلَقاً حِلَقاً يقرؤون القرآن ويتعلّمون الفرائض والسنن().

    • () حديث صحيح. رواه البخاري في صحيحه، كتاب العلم باب ما كان النبي يتخولنا بالموعظة 1/25.

    • () انظر مجمع الزوائد 1/137.


    4- إنزال الناس منازلهم ومخاطبتهم على قدر عقولهم:

    • حيث كان النبي  القدوة الطيبة في ذلك يراعي ويقدّر تفاوت المدارك عند الناس واختلاف قدراتهم الفطرية ومواهبهم المكتسبة ومن ثم كان يخاطب كل إنسان بما يناسب عقله وفهمه وإدراكه ويعطيه من العلم أو الجواب على سؤاله ما يلائم بيئته وطبيعته وفطرته ويكون مقنعاً له بحيث كان يفهم على النبي  أهل البادية وأهل الحضر وأهل القرية والريف، ويدل لصنيع النبي  هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة  قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي : "هل لك إبل؟" قال: نعم، قال: ”فما ألوانها؟" قال: حُمْر، قال: " هل فيها من أَوْرَق؟ "، قال: إن فيها لأورق، قال: "فأنى أتاها ذلك؟" قال: عسى أنْ يكون نزعه عِرْق، قال: "وهذا عسى أنْ يكون نزعه عِرْق".()


    • وكان عليه الصلاة والسلام يخاطب الناس بلغتهم ولهجاتهم وذلك ليقرب مفهوم الحديث الذي يريد توصيله إليهم كما روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عاصم الأشعري قال: سمعت رسول الله  يقول: "ليس من أمبرّ أم صيام في أمسفر"() -وهذه في لغة الأشعريين حيث يقلبون اللام ميماً- والمراد بذلك أصل الرواية وهي قول النبي : "ليس من البرّ الصيام في السفر"().


    5- طريقة كلامه وأسلوبه: الناس بلغتهم ولهجاتهم وذلك ليقرب مفهوم الحديث الذي يريد توصيله إليهم كما روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده من حديث عاصم الأشعري قال: سمعت رسول الله

    • حيث تمثّل ذلك في أنّ كلامه  كان واضحاً ومفهماً، كما كان حديث النبي  ثلاثاً، ويفصل بين فقراته، ولا يسرده سرداً، مما يجعل كلامه سهل الحفظ بيناً مفهوماً لا يخفى على سامعه. روت السيدة عائشة رضي الله عنها: أنّ النبي  كان لا يسرد الكلام كسردكم ولكن كان إذا تكلّم تكلّم بكلام فصل يحفظه من سمعه، وأنّه كان يحدّث بالحديث لو عدّه العادّ لأحصاه().

    • وفي صحيح البخاري عن أنس بن مالك : أنّ النبي  كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثة حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلّم عليهم سلّم عليهم ثلاثاً().

    • () أخرجه البخاري في صحيحه 4/168، ومسلم في صحيحه 4/2298/71.

    • () انظر صحيح البخاري كتاب العلم باب من أعاد الحديث ثلاثاً 1/32.


    6- الحرص على التيسير في جميع الأمور:

    • كان من منهجه عليه الصلاة والسلام في تبليغ العلم وروايته وتمام نصحه للمسلمين حرصه على التسهيل والتيسير، وابتعاده ونهيه عن التشديد والتعقيد والتنطع في العبادة والتضييق في الأحكام، كما في الحديث الذي رواه أبو هريرة  حيث قال: دخل أعرابي المسجد فصلّى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً، فالتفت إليه النبي  فقال: "لقد تحجرت واسعاً"، ثم لم يلبث أنْ بال في المسجد فأسرع الناس إليه، فقال لهم رسول الله : "إنما بُعِثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين، أهريقوا عليه دلواً من ماء - أو سجلاً - من ماء"().

    • وعن أنس بن مالك  قال: قال رسول الله : "خير دينكم أيسره، وخير العبادة الفقه"().

    • وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما: نهى رسول الله  عن الأُغْلُوطات(). والمراد بالأغلوطات: صعاب المسائل.


    7- التواضع والحلم والتلطّف مع الناس:

    • حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام يتعامل مع جميع المسلمين والناس بتواضع وحلم ولين جانب ورحمة، كما كان محبّاً لأصحابه، يخاطبهم بالكلام اللين المحبّب إلى قلوبهم ونفوسهم، ولا يتعاظم عليهم، بل كان لا يرضى أن يعظّموه ويُطْرُوه ويرفعوه عن درجة البشر. قال عليه الصلاة والسلام: "لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النصارى عيسى ابن مريم، فإنّما أنا عبد، فقولوا: عبدالله ورسوله"().

    • وقال : "إنّما أنا لكم مثل الوالد، إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها"().


    8- التعليم والرواية للنساء: الناس:

    • لم يقصر الرسول  تبليغه العلم وروايته الأحاديث على الرجال فقط، بل عدّى ذلك إلى النساء حيث كان يجلس إليهنّ، ويحدّثهنّ ويعظهنّ، ويبين لهنّ أمور الدين وأحكامه، كما كان يحثّ نساءه على تعليم النساء الأخريات أحكام النساء وفقههنّ. روى البخاري في صحيحه من حديث أبي سعيد الخُدْرِي وأبي هريرة رضي الله عنهما أنّه جاء نسوة إلى الرسولفقلن: يا رسول الله! ما نقدر عليك في مجلسك من الرجال، فوَاعِدْنا منك يوماً نأتيك فيه، قال: "موعدكن بيت فلانة"، وأتاهنّ في ذلك اليوم ولذلك الموعد، فكان ممّا قال لهنّ: "ما من امرأة تقدّم ثلاثاً من الولد تحتسبهنّ إلاّ دخلت الجَنّة"، فقالت امرأة منهنّ: أَوَ اثنان؟ قال: "أَوَ اثنان".()


    القسم الثاني الناس: مصطلح الحديث


    تعريفات أولية هامّة: الناس:

    1- مصطلح الحديث: يُطْلَق عليه أيضاً أصول الحديث وعلوم الحديث.

    وهو عبارة عن القواعد التي يُعْرَف بها حال سند الحديث ومتنه.

    2- السَّنَد: هو عبارة عن سلسلة الرواة الموصلة إلى متن الحديث.

    3- المتن: هو ما ينتهي إليه السَّنَد من الكلام.

    4- الإسناد: هو عَزْو الحديث إلى راويه. وهو بمعنى السَّنَد أيضاً.


    5- المسنَد الناس: : هو بفتح النون، وهو كلّ كتاب في الحديث جُمِعَت فيه أحاديث كلّ صحابي على حِدَة.

    6- المسنِد: هو بكسر النون، وهو من يروي الحديث بسنده.

    7- الخَبَر: الراجح أنّه مغاير للحديث؛ فالحديث هو ما جاء عن النبي ، أمّا الخبر فهو ما جاء عن غيره من الصحابة والتابعين وتابعيهم.

    8- الأَثَر: الراجح أنّه هو مغاير للحديث ومرادف للخبر؛ فهو ما أُضِيف إلى الصحابة والتابعين وتابعيهم من أقوال وأفعال، وهو بمعنى الخبر.


    أنواع الحديث من حيث عدد الرواة في كل طبقة من الإسناد:

    • الحديث المتواتر والآحاد:

    • ينقسم الحديث من حيث عدد الرواة في حلقات الإسناد إلى قسمين رئيسين هما:

    • الحديث المتواتر وحديث الآحاد.


    القسم الأول: الحديث المتواتر كل طبقة من الإسناد:

    • تعريفه: هو الحديث الذي رواه جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب من أول السند إلى منتهاه وأن يكون مستند خبرهم الحس.

    • حكمه: هو حديث صحيح، يجب العمل به.

    • أقسامه: ينقسم الحديث المتواتر إلى قسمين: لفظي ومعنوي.

    • الأول: المتواتر اللفظي: هو ما تواتر لفظه ومعناه، مثل حديث: "من كذب علي متعمداً فيتبوأ مقعده في النار".

    • الثاني: المتواتر المعنوي: وهو ما تواتر معناه دون لفظه بأن ينقل هذا التواتر في وقائع مختلفة تشترك في أمر معين بحيث يتواتر ذلك الأمر المعين مثل أحاديث رفع اليدين في الدعاء، فقد ورد عن النبي نحو مائة حديث فيها أنّه رفع يديه في الدعاء.


    القسم الثاني: حديث الآحاد كل طبقة من الإسناد:

    • هو ما لم يجمع شروط الحديث المتواتر، أو ما اختل فيه شرط من شروط المتواتر.

    • حكمه: منه المقبول المحتجّ به عند الجمهور، ومنه المردود غير المحتجّ به أي منه الصحيح وغير الصحيح. وهذا الحكم جارٍ على جميع أنواعه.

    • أنواعه: ثلاثة هي الحديث المشهور، والحديث العزيز، والحديث الغريب.

    • أولاً: الحديث المشهور

    • هو الحديث الذي رواه أكثر من راويين في كلّ حلقة من حلقات الإسناد. وقد سمّاه بعض الفقهاء الحديث المستفيض.

    • ثانياً: الحديث العزيز

    • هو ما رواه راويان في حلقة أو أكثر من حلقات الإسناد، وقد يكون الراويان في جميع الحلقات.

    • ثالثاً: الحديث الغريب

    • هو الذي تفرد بروايته راوٍ واحد سواء في حلقة واحدة من حلقات الإسناد أو في بعضها أو في جميعها.


    • حجية خبر الآحاد: كل طبقة من الإسناد:

    • - يرى ابن حزم أن خبر الآحاد إذا اتصل برواية العدول إلى الرسول? وجب العمل به ووجب العمل بصحته وهو رأي الإمام مالك والحسين بن علي الكرابيسي والحارث المحاسبي، وهو قول الإمام أحمد

    • - وأما الجمهور فيرون أنه حجة يجب العمل به وإن أفاد الظن.

    • - وقال الحنفيون والشافعيون وجمهور المالكيين وجميع المعتزلة والخوارج: إن خبر الواحد لا يوجب العلم. ومعنى هذا عند جميعهم أنه قد يمكن أن يكون كذبا أو موهوما فيه... وقال سائر من ذكرنا: إنه يوجب العمل".


    • - وأما ابن تيمية فيرى أن جمهور العلماء على اختلاف مذاهبهم يرون أن خبر الآحاد يوجب العلم إذا تلقته الأمة بالقبول. "ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم. وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة، ومالك والشافعي وأحمد إلا فرقة قليلة من المتأخرين اتبعوا في ذلك طائفة من أهل العلم أنكروا ذلك. ولكن كثيرا من أهل الكلام أو أكثرهم يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك. وهو قول أكثر الأشعرية كأبي إسحاق وابن فورك".


    • وأورد ابن تيمية أسماء علماء المذاهب الأربعة الذين قالوا إن خبر الآحاد يوجب العلم: "والأول هو الذي ذكر الشيخ أبو حامد، وأبو الطيب وأبو إسحاق وأمثاله من أئمة الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبدالوهاب وأمثاله من المالكية، وهو الذي ذكره شمس الدين السرخسي وأمثاله من الحنفية. وهو الذي ذكره أبو يعلى وأبو الخطاب وأبو الحسن بن الزاغوني وأمثالهم من الحنبلية ".

    • كما ذكر أسماء من أنكر ذلك من العلماء. "وأما الباقلاني فهو الذي أنكر ذلك وتبعه مثل أبي المعالي، وأبي حامد، وابن عقيل وابن الجوزي، وابن الخطيب، والآمدي، ونحو هؤلاء".


    • وقد بين ابن تيمية أنه لا قيمة لمخالفة هؤلاء لإجماع أهل العلم بالحديث لأن العبرة بأصحاب الاختصاص في الحديث الذين وقفوا حياتهم لخدمة هذا العلم الجليل: " وإذا كان الإجماع على تصديق الخبر موجبا للقطع به فالاعتبار في ذلك بإجماع أهل العلم بالحديث، كما أن الاعتبار في الإجماع على الأحكام بإجماع أهل العلم بالأمر والنهي والإباحة"().

    • () مختصر الصواعق، لابن القيم، 2/372.


    ويرى ابن تيمية أن مما يوقع الغلط في الحديث، نوعان من الناس:

    • أحدهما: أشخاص لا صلة لهم بعلم الحديث، ومع ذلك فإنهم يقتحمون رحابه، فيقولون فيه أقوالا، ويصدرون فيه أحكاما على غير هدى، ولا بصيرة ولا علم، فيصححون الضعيف، وقد يضعفون الصحيح، ويعتمدون ذلك في مقالاتهم ومناظراتهم. ويأتي على رأسهم المتكلمون ومن على شاكلتهم.


    • والثاني في الحديث، نوعان من الناس:: أدعياء علم الحديث الذين ينتسبون له وليسوا من أهله، بحيث لم تتكون لديهم خبرة واسعة به، ولم يملكوا بعد ملكة نقدية، ولا حساً حديثياً يمكنهم من دراسة الحديث من حيث السند والمتن، " فكلما وجدوا لفظا في حديث رواه ثقة، أو رأوا حديثا بإسناد ظاهره الصحة يريدون أن يجعلوا ذلك من جنس ما جزم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارض الصحيح المعروف أخذوا يتكلفون له التأويلات الباردة، أو يجعلوه دليلا له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يعرفون أن مثل هذا غلط ".


    • وكأن ابن تيمية -رحمه الله - يلمح للمفسرين أن لا يسارعوا في الحكم على الحديث، ويبنوا عليه أحكاما، أو يحملوا عليه معنى آية من آي الذكر الحكيم إلا بعد أن يستفتوا أهل العلم بالحديث، ويعملوا بفتواهم، فهذا هو المنهج القويم الذي يتعين على المفسر العمل به وصولا إلى الحقيقة، وعملا بالعلم لا بالظن الباطل، أو الزيغ والهوى.

    • وقد بين ابن تيمية أن كثيرا من المفسرين قد جانبوا الحقيقة وبعدوا عن الصواب لما تنكبوا هذا الطريق.


    • تكاثرت الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله  وأقوال السلف - بل وإجماعهم - على الاحتجاج بحديث الآحاد، ولزوم العمل به:

    • أدلة القرآن على حجية خبر الآحاد:

    • فمن أدلة القرآن: قوله تعالى: فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ()، فقد حث الله  المؤمنين - في هذه الآية على أن تنفر من كل فرقة طائفة تقوم بمهمة التفقه والبلاغ، ولفظ الطائفة يتناول الواحد فما فوقه، مما يدل على قيام الحجة بخبرها.

    • ومنها قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا()، وفي قراءة (فتثبتوا)، فهذه الآية دلت على أن الخبر إذا جاءنا عن الثقة العدل فإن الحجة تقوم بخبره، ولا يلزمنا التثبت فيه، وأما الفاسق فهو الذي يجب أن لا نقبل خبره إلا بعد التثبت والتبين.


    • ومنها قوله سبحانه: رسوله فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ()، فأمر من لم يعلم أن يسأل أهل الذكر وهم أولو الكتاب والعلم، وهو يشمل سؤال الواحد والمتعدد، ولولا أن أخبارهم تقوم بها الحجة لما كان لسؤالهم فائدة.

    • وقوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ()، فأمر  بتبليغ الدين للناس كافة وقام بذلك خير قيام، ولو كان خبر الواحد لا تقوم به الحجة لتعذر وصول الشريعة إلى كافة الناس ولما حصل البلاغ، ومعلوم أن التبليغ باق إلى يوم القيامة والحجة قائمة على العباد.


    • كما حكى الله عن بعض أنبيائه ورسله السابقين ما يدل على قبولهم لخبر الواحد، والعمل بمضمونه، فموسى  قبل خبر الرجل الذي جاء من أقصا المدينة يسعى قائلاً له إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فجزم بخبره وخرج هارباً، وقبل خبر بنت صاحب مدين لما قالت له: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا()، وقبل خبر أبيها في دعواه أنهما ابنتاه، فتزوج إحداهما بناء على خبره.

    • وقبل يوسف  خبر الرسول الذي جاءه من عند الملك وقال له: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، وثبت في صحيح مسلم أن النبي  قال: (ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي).


    أدلة السنة على حجية خبر الآحاد: السابقين ما يدل على قبولهم لخبر الواحد، والعمل بمضمونه، فموسى

    • وأما أدلة السنة فأكثر من أن تحصر ومنها:

    • حديث أنس ابن مالك  أن النبي  قال: (نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)()، وفيه ندب  إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها حتى ولو كان المؤدي واحداً، مما يدل على قيام الحجة بخبره، فلو كان خبر الواحد لا يفيد العلم لم يكن لهذا الندب فائدة تذكر.


    • وحديث مالك بن السابقين ما يدل على قبولهم لخبر الواحد، والعمل بمضمونه، فموسى الحويرث حين وفد مع بعض قومه إلى النبي  وفيه قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)() متفق عليه، وعن ابن عمر: (إن بلالاً يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم)() متفق عليه، ففي هذا الحديث الأمر بتصديق المؤذن، والعمل بخبره في دخول وقت الصلاة، والإفطار والإمساك مع أنه واحد، ولم يزل المسلمون في كل زمان ومكان يقلدون المؤذنين، ويعملون بأذانهم في هذه العبادات، وهو من أوضح الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد.


    • واشتهر بعثه السابقين ما يدل على قبولهم لخبر الواحد، والعمل بمضمونه، فموسى  الآحاد من صحابته، واعتماده على أخبارهم وعمله بموجبها، ففي الصحيحين عن أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف، وفيه قال : (واغد يا أنيس - لرجل من أسلم إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها)()، فاعترفت فرجمها، فاعتمد  خبره في اعترافها، مع ما فيه من إقامة حد، وقتل نفس مسلمة، وفي يوم الأحزاب اكتفى النبي  بخبر الزبير وهو واحد حين قال: (من يأتيني بخبر القوم؟)().


    • وتواتر عنه السابقين ما يدل على قبولهم لخبر الواحد، والعمل بمضمونه، فموسى  أنه كان يبعث الآحاد إلى الجهات القريبة والبعيدة ويحملهم أمور الدعوة والتبليغ وتعليم الناس أحكام الإسلام وشرائعه، والنيابة عنه في الفتوى والقضاء والفصل في الخصومات، فمن ذلك ما رواه الشافعي بإسناد صحيح عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت: " بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله  يقول: " إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد"()، واشتهر أيضاً بعثه الأمراء في السرايا والبعوث، وأمره بطاعتهم فيما يخبرون عنه، وكذلك كتبه التي بعثها إلى الملوك في زمانه، كان يتولى كتابتها واحد، ويحملها شخص واحد غالباً، كما بعث دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل عظيم الروم، وعبدالله بن حذافة إلى كسرى.


    • ومثلها كتبه التي كان يبعثها إلى ولاته وعماله بأوامره وتعليماته، يكتبها واحد، ويحملها واحد، ولولا أن أخبارهم تقوم بها الحجة لكان بعثهم عبثاً، ولحصل التوقف من المدعوين، ولم ينقل أن أحداً منهم قال لمن علمه شيئاً من الدين، أو طلب منه جزية، أو زكاة أو نحوها: إن خبرك لا يفيد العلم، فأنا أتوقف حتى يتواتر الخبر بما ذكرت.


    • إجماع الصحابة على حجية خبر الآحاد:

    • وأجمع الصحابة  على قبول خبر الواحد والاحتجاج به، ولم ينقل أن أحداً منهم قال: " إن هذا خبر واحد يمكن عليه الخطأ فلا تقوم به الحجة حتى يتواتر، ولو قال أحد منهم ذلك لنقل إلينا، وقد نقلت عنهم في هذا الباب آثار لا تحصى منها:


    • ما رواه البخاري عَنْ الآحاد:عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبَِلُوهَا وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ"()، ولولا حصول العلم لهم بخبر الواحد، لما تركوا المعلوم المقطوع به عندهم لخبر لا يفيد العلم ولا تقوم به الحجة.


    • وحديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الآحاد:قَالَ كُنْتُ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ وَأَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ شَرَابًا مِنْ فَضِيخٍ وَهُوَ تَمْرٌ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ يَا أَنَسُ قُمْ إِلَى هَذِهِ الْجِرَارِ فَاكْسِرْهَا قَالَ أَنَسٌ فَقُمْتُ إِلَى مِهْرَاسٍ لَنَا فَضَرَبْتُهَا بِأَسْفَلِهِ حَتَّى انْكَسَرَتْ"()، حيث قطعوا بتحريم الخمر، وأقدموا على إتلاف ما بأيديهم من مال تصديقاً لذلك المخبر، ولم يقولوا: نبقى على حلها حتى يتواتر الخبر، أو نلقى رسول الله ، مع قربهم منه، ولم ينقل أنه أنكر عليهم عدم التثبت.


    • ورجوع عمر بالناس حين خرج إلى الشام فبلغه أن الوباء قد وقع بها، لما أخبره عبدالرحمن بن عوف أن النبي  قال: (إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ)() متفق عليه.

    • () صحيح البخاري- طوق النجاة 9/26.


    • ولم يزل سبيل السلف الصالح ومن بعدهم قبول خبر الواحد الثقة عن النبي  والاحتجاج به، حتى جاء المتكلمون فخالفوا ذلك، قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها، ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذا السبيل، وكذلك حكي لنا عمن حكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان......ومحدِّثي الناس وأعلامهم بالأمصار كلهم يحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله، والانتهاء إليه، والإفتاء به، ويقبله كل واحد منهم عن من فوقه، ويقبله عنه من تحته،


    • ولو جاز لأحدٍ من الناس أن يقول في علم الخاصة: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه - بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي "قال الشافعي في الرسالة أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب كان يقول: الدية للعاقلة، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً. حتى أخبره الضّحّاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه: أن يُوَرِّث امرأة أَشْيَمَ الضِّبَابيِّ من ديته، فرجع إليه عمر().


    • ثبت عن عمر أخذه بخبر الواحد في مسائل الأموال وهي أخطر من الفضائل اتفاقاً وينبغي الإحتياط فيها أكثر من الفضائل

    • قال الإمام ابن حبان في مقدمة صحيحة: " فأما الأخبار فإنها كلها أخبار آحاد "، إلى أن قال: " وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد، فقد عمد إلى ترك السنن كلها، لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد"().


    أنواع الحديث من حيث المنسوب إليه: مسائل الأموال وهي أخطر من الفضائل اتفاقاً وينبغي

    • ينقسم الحديث من حيث المضاف والمنسوب إليه إلى أربعة أنواع هي:

    • أولاً: الحديث القدسي

    • هو ما نقله النبي  عن الله  وأسنده إليه.

    • الفرق بينه وبين القرآن:

    • أشهر هذه الفروق ما يلي:

    • القرآن لفظه ومعناه من عند الله تعالى، والحديث القُدُسي معناه من عند الله جلّ وعلا، ولفظه من عند النبي .


    • القرآن متعبَّد بتلاوته، والحديث القدسي غير متعبَّد بقراءته.

    • القرآن يُشْتَرط في ثبوته التواتر، والحديث القدسي لا يشترط فيه التواتر.

    • صيغ روايته: له صيغ عدّة أشهرها ما يلي:

    • قال رسول الله  فيما يرويه عن ربّه – أو عن الله - .

    • قال الله تعالى فيما يرويه عنه رسول الله .


    • ثانياً: الحديث المرفوع القدسي غير متعبَّد بقراءته.

    • هو ما أُضِيف إلى النبي  من قول أو فعل أو تقرير أو صفة أو سيرة سواء كان متصلاً أو منقطعا ً.

    • ثالثاً: الحديث الموقوف

    • هو ما أُضِيف إلى الصحابي من قوله أو فعله أو تقريره سواء كان متصلاً أو منقطعاً. وقد يُستعمل فيما أُضِيف إلى غير الصحابي مقيّداً عليه كأنْ يقال: موقوف على الزهري أو على الحسن البصري.


    • رابعاً: الحديث المقطوع القدسي غير متعبَّد بقراءته.

    • هو ما أُضِيف إلى التابعي أو مَنْ دونه من قوله أو فعله.

    • حكم هذه الأنواع الأربعة: منها الحديث المقبول المحتج به، ومنها الحديث غير المقبول غير المحتجّ به، أي منها الحديث الصحيح والحديث غير الصحيح.


    • أنواع الحديث من حيث القبول والرد: القدسي غير متعبَّد بقراءته.

    • شروط قبول الحديث: لقد ذكر علماء الحديث شروطاً خمسة لقبول الحديث والاحتجاج به هي: اتصال سند الحديث، وعدالة رواته، وضبط هؤلاء الرواة، وسلامة الحديث سنداً ومتناً من الشذوذ، وسلامته سنداً ومتناً من العلّة القادحة.


    • أنواع الحديث من حيث القبول والاحتجاج به:

    • له نوعان رئيسان هما:

    • الحديث المقبول: هو الحديث الذي اشتمل على شروط القبول، فإنْ توافرت فيه جميع هذه الشروط فهو الحديث الصحيح، وإنْ توافرت فيه الشروط الخمسة سالفة الذكر، ولكن خفّ فيه ضبط راوٍ أو أكثر من رواته فهو الحديث الحسن.

    • الحديث المردود: هو الحديث الذي لم يتوافر فيه شرط أو أكثر من شروط القبول سالفة الذكر، وهو الحديث الضعيف بأنواعه المختلفة.


    • أولاً: الحديث الصحيح والاحتجاج

    • هو ما اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله من أوله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علّة(). ويمكن إضافة "الثقة" بدل "العدل الضابط" لأنّ لفظ الثقة يجمع بين شرطي عدالة رواة الحديث وضبطهم.


    • أقسام الحديث الصحيح: والاحتجاج

    • ينقسم إلى قسمين هما:

      • الصحيح لذاته: هو الحديث الذي اكتسب الصحة من ذات إسناده ومتنه، وهو الحديث الذي توافرت فيه الشروط الخمسة المتقدمة.

    • الصحيح لغيره: هو الحديث الذي اكتسب الصحة من طريق أو طرق أخرى، وهو الحديث الحسن لذاته الذي تقوّى بهذه الطريق أو الطرق.

    • حكمه: اتفق علماء الحديث على أنّ الحديث الصحيح مقبولٌ يُحْتَجّ ويُعْمَل به.


    • ثانياً: الحديث الحسن والاحتجاج

    • هو الحديث الذي اتصل إسناده بنقل العدل الضابط الذي خفّ ضبطه من غير شذوذ ولا علّة.

    • ملحوظة: بالنسبة للعدل الذي خفّ ضبطه إمّا أن يكون في حلقة واحدة من حلقات الإسناد، أو في أكثر من حلقة، أو في جميع الحلقات دون الصحابي.

    • أقسامه: ينقسم الحديث الحسن إلى قسمين هما:

    • الحسن لذاته: هو الحديث الذي اكتسب الحُسْن من ذات إسناده ومتنه.

    • الحسن لغيره: هو الذي اكتسب الحُسْن من خارجه؛ وذلك بورود الحديث الضعيف الذي لم يشتدّ ضعفه من طريق أو طرق أخرى يتقوّى بها.

    • حكمه: ذكر علماء الحديث أنّه يُحْتَجّ بالحديث الحسن بقسميه، ويُعْمَل به كما يُحْتَجّ بالحديث الصحيح وإن كان دونه في الرتبة والقوّة.


    • ثالثاً: الحديث الضعيف والاحتجاج

    • هو ما لم يجمع صفات الحديث الحسن، أو هو ما فقد شرطاً أو أكثر من شروط الصحة المتفق عليها.

    • أنواعه: كثيرة حسب تفاوت أسباب ضعفه، وحسب شدّة ضعف رواته أو خفّة هذا الضعف؛ فمنه الحديث الضعيف والواهي والمنكر والمتروك والمنقطع والمعضل والمعلّق والموضوع – وهو شرّ أنواع الحديث- وغيرها.


    • حكم روايته: والاحتجاج تجوز روايته من غير بيان ضعفه بالشروط الآتية:

    • أنْ يُرْوَى هذا الحديث الضعيف في الترغيب والترهيب وفي المواعظ والقصص وألاّ يتعلق بالعقائد والأحكام.

    • إذا رُوِيَ الحديث الضعيف بدون إسناد يُرْوَى بصيغة التضعيف لا بصيغة الجزم كأنْ يُقَال: رُوِيَ أو يُرْوَى أو ذُكِر أو يُذْكَر وغير ذلك.


    • حكم العمل والاحتجاج به: يرى جمهور المحدثين استحباب العمل بالحديث الضعيف بالشروط الأربعة التالية:

    • أن يكون في فضائل الأعمال أو الأماكن والترهيب والترغيب.

    • أن لا يشتدّ ضعفه.

    • أن يندرج تحت أصل معمول به في الشريعة.

    • عدم الاعتقاد بثبوته عند العمل به، بل يُعْمَل به على سبيل الاحتياط.


    • الحديث الموضوع: والاحتجاج

    • هو المختلق المصنوع المنسوب كذباً إلى النبي .

    • حكم روايته والعمل به:

    • اتفق العلماء من المحدّثين وغيرهم على أنّ الحديث الموضوع شرّ أنواع الحديث الضعيف، وعلى أنّه تحرم روايته مع العلم بوضعه؛ وذلك في كلّ أبواب الدين إلاّ مقروناً ببيان كونه موضوعاً ومكذوباً على رسول الله ، وكذلك أجمع هؤلاء العلماء على أنّه يحرم العمل به.

    • والدليل على حرمة ذلك كلّه قول النبي:  "من كذب علي متعمّداً فليتبّوأ مقعده من النار"().

    • () حديث صحيح أخرجه البخاري في صحيحه 1/35.


    • طرق معرفة الوضع في الحديث: والاحتجاج

    • يعرف ذلك بإحدى الطرق الأربعة التالية:

    • إقرار الراوي واضع الحديث أنّه وضعه.

    • ما يتنزل منزلة إقراره.

    • وجود قرينة في الراوي.

    • وجود قرينة في الحديث المروي.


    • أقسام والاحتجاج الوضّاعين:

    • لقد ذكر المحدّثون أقساماً عديدة لهؤلاء الوضّاعين نجملها في الأقسام التالية:

    • قوم ينتسبون إلى الزهد والتصوف وضعوا الأحاديث احتساباً للأجر عند الله تعالى في زعمهم الفاسد، وهؤلاء شرّ أقسام الوضّاعين لأنّ الناس تقبل كلامهم من باب الثقة بهم؛ وذلك لما نُسِبوا إليه من الزهد والصلاح.

    • قوم وضعوا أحاديث موضوعة انتصاراً لمذاهبهم وتِأييداً لها كالخَطّابية والشيعة وغيرها من الفرق السياسية التي ظهرت بعد الفتنة.

    • قوم تقرّبوا لبعض الخلفاء والأمراء لينالوا عندهم الحظوة والعطاء، فوضعوا ما يوافق فعلهم وآراءهم.


    • قوم كانوا يتكسبون ويرتزقون بوضع الأحاديث، حيث كانوا يضعون بعض القصص الطويلة العجيبة المسلية وينسبونها كذباً إلى النبي  حتى يستمع لهم الناس ويعطوهم الأموال.

    • قوم من الزنادقة وأعداء الإسلام وضعوا أحاديث للطعن في الإسلام؛ لأنّهم لم يستطيعوا الكيد للإسلام جهاراً.

    • قوم وضعوا أحاديث بقصد الشهرة وترغيب الناس في السماع منهم.


    • جهود العلماء في مواجهة الوضع في الحديث:

    • لقد حفظ الله تعالى القرآن الكريم من التحريف والتبديل كما صان حديث الرسول  من أن يكون مطيّة لأهل البدع والأهواء، وقيّض الله  علماء أمناء من الصحابة والتابعين وأتباعهم إلى عصرنا الحاضر قاوموا الوضاعين والكذّابين، وتتبّعوهم وميّزوا بين الصحيح من الروايات والباطل والضعيف منها، وقد بذل هؤلاء العلماء الجهابذة جهوداً كبيرة، ووضعوا لذلك القواعد والضوابط للحفاظ على أحاديث رسول الله وصيانتها من الدسّ والكذب، ولقد كان من أهم هذه القواعد والضوابط ما يلي:


    1- التزام الإسناد عند رواية الحديث:

    • وذلك لما لهذا الإسناد من أهمية عظمى، كما قال التابعي محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم؛ فيُنْظَر إلى أهل السّنّة فيؤخذ حديثهم، ويُنْظَر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم().

    • وكما قال الإمام عبدالله بن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء(). وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل()؟.


    2- التثبت في رواية الحديث: الحديث:

    • وذلك من خلال طلب الشهادة أو الاستحلاف على الرواية كما فعل الخلفاء الراشدون والصحابة رضوان الله عليهم، ومن خلال التدقيق في إسناد الحديث والتنقّل والارتحال في طلب الحديث والتثبّت منه كما فعل التابعون ومن جاء بعدهم.


    3- تتبّع الكذّابين الحديث: والوضّاعين:

    • وذلك لبيان زيفهم وكذبهم ووضعهم الأحاديث على رسول الله  ومنعهم من التحديث بهذه الأحاديث، وأحياناً كان بعض العلماء يستعدي الحكّام على هؤلاء الوضّاعين، وكان من أشهر هؤلاء العلماء شعبة بن الحجّاج وعبدالرحمن بن مَهْدي وسفيان الثوري.


    4- بيان أحوال الرواة: الحديث:

    • من حيث صدقهم وكذبهم أو توثيقهم وتضعيفهم، ومن ثَمَّ قام أولئك العلماء الأجلاّء بدراسة حياة رواة الحديث ومعرفة تواريخ مواليدهم ووفياتهم وسماعهم والتعرّف على أحوالهم، وقد قال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب استعملنا معهم التاريخ().

    • () انظر الكفاية في علم الرواية ص 119.


    5- وضع قواعد وضوابط لتمييز الموضوع من الحديث:

    • وهي القواعد والقوانين والضوابط التي عُرِفَت فيما بعد بعلوم الحديث دراية أو مصطلح الحديث أو أصول الحديث؛ وذلك لمعرفة الحديث الصحيح من غيره.


    معرفة الصحابة رضي الله عنهم: الموضوع من الحديث:

    • تعريف الصحابي: هو من لقي النبي  مؤمناً به ومات على الإسلام، فيدخل فيه من طالت مجالسته للنبي أو قصرت، ومن روى عنه ومن لم يرو عنه، ومن غزا معه ومن لم يغزُ معه، ومن رآه ولم يجالسه، ومن لم ير الرسول  لعارضٍ كالعمى().

    • ولفظ الصحابي يشمل الأحرار والموالي والذكور والإناث من الصحابة.


    • عدالة الصحابة الموضوع من الحديث: : اتفق أهل السّنّة والجماعة على تعديل أصحاب رسول الله  وتوثيقهم في رواية الحديث عن النبي  سواء من لابس الفتنة منهم ومن لم يلابسها، وقد ثبتت هذه العدالة بالكتاب والسّنّة والإجماع.


    • أولاً: عدالتهم في القرآن الكريم: الموضوع من الحديث: من ذلك قول الله تعالى:كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ …().

    • وقوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا().

    • () آل عمران:110.

    • () الفتح:18.


    • ثانياً: عدالتهم في السّنّة المشرّفة: من ذلك قول النبي : "خير أمّتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق أيمانُهم شهادتَهم ويشهدون قبل أن يستشهدوا"(). وقوله : "لا تسبّوا أصحابي! فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أُحُد ذهباً ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نَصِيفه"().

    • ثالثاً: الإجماع: كما قام إجماع المسلمين وعلمائهم على عدالتهم وتوثيقهم.


    السبعة المكثرون في رواية الحديث من الصحابة:

    • كان من أكثر الصحابة رواية للحديث سبعة هم:

    • أبو هريرة  الذي روى نحو (5374) حديثاً ً.

    • عبدالله بن عمر رضي الله عنهما الذي روى نحو (2630) حديثاً.

    • أنس بن مالك  الذي روى نحو (2286) حديثاً.

    • عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما روت نحو (2210) حديثاً.

    • عبدالله بن عباس رضي الله عنهما الذي روى نحو (1660) حديثاً.

    • جابر بن عبدالله  الذي روى نحو (1540) حديثاً.

    • أبو سعيد الخُدْرِي روى نحو (1170) حديثاً.


    القسم الثالث من الصحابة: شرح الحديث


    الحديث الأول من الصحابة: سؤالُ جبريل  الرسولَ عن الإسلام والإيمان والإحسان

    • عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ  فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ  وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ


    • قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا قَالَ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَالشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ثُمَّ قَالَ لِي يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"().()


    • شرح الحديث الْإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا قَالَ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ

    • أولاً: لم يكن الصحابة الحاضرين في مجلس النبي  يعرفون الرجل السائل حينما قدم وسأل أسئلته للنبي على أنّه جبريل ، فاستغرب هؤلاء الصحابة من هذا الرجل السائل أموراً منها:

    • أنّ هذا الرجل السائل لم يكن يُلاحظ عليه أثر السفر، فهو نظيف الشعر والثياب، لأنّ سواد الشعر كناية عن نظافته وعدم اتساخه برمال الصحراء، وكذلك بياض ثيابه ونظافتها كناية عن قدومه من مكان قريب لا من سفر بعيد، ومع ذلك فإنّه لا يعرفه أحد من الصحابة، فلو كان قادماً من مكان قريب لعرفوه، ولو كان قادماً من سفر بعيد لظهر ذلك على جسمه وشعره وثيابه، ولم يخطر ببالهم أنّه جاء من السماء().


    • سؤاله النبيَّ الْإِيمَانِ قَالَ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ قَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِهَا قَالَ أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ  ثم تصديقه في إجابته على أسئلته، فإذا كان عالماً بالجواب فلماذا يسأل؟ وإذا كان جاهلاً بالجواب فكيف يقول له: صدقت، فالأصل في السائل أنْ يسألَ عن شيء يجهله().


    ثانياً: تعريف الإسلام والإيمان في اللغة وفي الاصطلاح:

    • الإسلام في اللغة: هو الاستسلام والانقياد ظاهراً، سواء كان هذا الاستسلام عن قناعة ورضا أم عن إكراه.

    • والإيمان في اللغة: هو التصديق الجازم سواء تبع ذلك عمل أم لا().

    • معنى الإسلام والإيمان في الاصطلاح: لقدورد في معنى الإسلام والإيمان اصطلاحاً أقوالٌ وآراء عدة: أرجحها أنّ الإسلام والإيمان بمعنى واحد إلاّ إنْ وُجدت قرينة تدلّ على أنّ لكلّ واحد منهما معنىً مستقلاًّ عن الآخر؛ فمعنى كلٍّ منهما يشمل الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح والأركان؛ ومن ثَمَّ فالإسلام والإيمان قد يجتمعان في معنىً واحد وقد يفترقان في المعنى، ولقد استدلّ أصحاب هذا القول بما يلي:


    • قول الله في اللغة وفي الاصطلاح: :فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ المُؤْمِنِينَفَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ()؛ فالإسلام والإيمان في الآية بمعنى واحد.

    • قول الله تعالى: إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ()؛ فالإيمان في هذه الآيات يشتمل على أعمال باطنة وأعمال ظاهرة، أي يشتمل على أمور متعلّقة بالاعتقاد في القلب، وعلى أمور متعلّقة بأعمال الجوارح والأركان.


    • قال الإمام النووي: وقيل: الإيمان هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، فالمؤمن المصدّق بقلبه لا بد أن يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان، قال النبي: "لا يزني الزاني حتى يزني وهو مؤمن"() لأنّه لم يعمل بموجب الإيمان().

    • وقال الإمام البَغَوي: الإسلام هو ما ظهر من الأعمال، والإيمان ما بطن من الاعتقاد، والأعمال هي من الإيمان والتصديق هو من الإسلام، وهذا تفصيل لجملة هي كلّها شيء واحد وجمعها الدين؛ ولذلك قال النبي : "فإنّه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم"، والتصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعاً يدل على ذلك قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ() فأخبر أنّ الدين هو الإسلام، ولا يكون الدين في محلّ القبول والرضا إلاّ بانضمام التصديق إلى العمل().


    ثالثاً: الإحسان: "أنْ تعبدَ الله كأنّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنّه يراك":

    • هذا القول ببيان معنى الإحسان يبيّن المنزلة العالية والمرتبة السامية التي يجب على المسلم أنْ يطمح إليها، حينما يستشعر بأنّ الله مطّلع عليه في جميع أحواله في السرّ والعلن، فبيّن النبي أنّ على المسلم أنْ يعبدَ الله في جميع أحواله كعبادته في حال العيان دون تقصير، وأنّ عليه أن يخلص في العبادة والعمل؛ وذلك من خلال مراقبته لله تبارك وتعالى في إتمام الخشوع والخضوع وغير ذلك.


    • قال القاضي كأنّك تراه، فإنْ لم تكن تراه فإنّه يراك":عياض: وهذا الحديث قد اشتمل على شرح جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة من عقود الإيمان وأعمال الجوارح وإخلاص السرائر، والتحفّظ من آفات الأعمال حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعِّبة منه().

    • ثم إنّ أسلوب التذكير برقابة الله من أهم أساليب الإسلام في التربية والتوجيه نحو الخير، وهو الأسلوب الذي جعله الله سبحانه وتعالى عوناً لنا نحن المسلمين على تنفيذ أوامره واجتناب نواهيه كما قال الله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ()(). وهذا الأسلوب هو أهم الأسباب التي تجعل الناس يلتزمون بالأوامر الإلهية إلى درجة كبيرة جداً، ولا يلتزمون بالقوانين البشرية، فإنّ القوانين الإلهية من الله تعالى، والرقابة عليها إلهية، والعقوبة عليها في الآخرة من الله أيضاَ، ولا يمكن لإنسان أنْ يفلت من رقابة الله أو من عقوبته.


    • بينما القوانين البشرية من البشر، والرقابة عليها بشرية، والعقوبة عليها بشرية، والرقابة البشرية قاصرة ضعيفة، قد يفلت الإنسان منها.

    • ومن الأمثلة على ذلك قضية محاولة تحريم الخمر في أمريكا عام 1919م، حيث استخدمت كل وسائل الإعلام لتوعية الأمريكيين بأضرار الخمر، وصدر القانون من الكونجرس الأمريكي وفيه عقوبات شديدة على الذين يخالفون هذا القانون، وهي عقوبات قد تصل إلى حدّ الإعدام، وبقيت الحكومة الأمريكية تحاول إنجاح هذا القانون لمدة أربع وعشرين سنة، صادرت خلالها آلاف الملايين من الممتلكات وسجنت أكثر من نصف مليون شخص، وأعدمت أكثر من 30 شخصاً،


    • ومع ذلك فشل القانون واضطرت الحكومة إلى إلغائه، لأنّه قانون بشري، والرقابة عليه بشرية، والعقوبة عليه بشرية.

    • أمّا في ظلّ الإسلام فقد نجح تحريم الخمر وتخليص المجتمع من مفاسده الصحية والنفسية والاجتماعية ببضع آيات من القرآن الكريم.

    • وهذا يبيّن الفرق بين القانون الإلهي الذي يراعي فيه الفرد الرقابة الإلهية، وبين القانون البشري برقابته القاصرة المحدودة التي من الممكن الاحتيال عليها بوسائل عدة.


    رابعاً: قوله: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل":

    • من المعلوم بداهة أنّوقت قيام الساعة لا يعلمه إلاّ الله سبحانه وتعالى، فإذا كان جبريل  لا يعلمها، وكذلك النبي محمد ، ولا مجال لمعرفة هذه الغيبيات إلاّ عن طريق الوحي، فمن أين لنا أنْ نعلم وقتها، فهي غيب لا يعلمه إلا الله سبحانه كما قال تعالى: لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً()، وكما قال الله تعالى: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا().

    • ونستفيد من هذا القول أنّ على كلّ من العالِم والمفتي وغيرهما إذا سئل عمّا لا يعلم أنْ يقول: لا أعلم، وأنّ ذلك لا ينقصه، بل يُسْتَدلّ به على ورعه وتقواه ووفور علمه().


    خامساً: قوله: "فأخبرني عن أَمَاراتها":

    • هوبفتح الهمزة، ومفردها الأمارة والأمار بإثبات التاء المربوطة وحذفها هي بمعنى العلامة، فللساعة أمارات وعلامات تُسمّى أشراط وعلامات، وهي تدلّ على قرب قيام الساعة، ولكنّها لا تدلّ على الوقت المحدد الدقيق لقيامها.


    • وقد قسّم العلماء علامات الساعة أَمَاراتها": وأشراطها إلى ثلاثة أقسام هي:

    • علامات صغرى: هي أبعد العلامات عن قيام الساعة، ومنها بعثة النبي  وانشقاق القمر، قال الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا()، وقال الله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ القَمَرُ().

    • علامات وسطى: هي أقرب من الصغرى إلى قيام الساعة، وهي كالعلامات الموجودة في الحديث الذي نشرحه.


    • علامات كبرى: أَمَاراتها": هي أقرب العلامات إلى قيام الساعة، فعن حذيفة بن أُسَيْد أنّ رسول الله  قال عن الساعة: "إنّها لن تقوم حتى تَرَوا قبلها عشر آيات: فذكر الدُّخَان، والدَّجَّال، والدابة، وطلوع الشمس من المغرب وغروبها في المشرق، ونزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من حضرموت باليمن تطرد الناس إلى محشرهم في بيت المقدس().

    • ومن الجدير بالذكر أنّ علامات الساعة ليست كلّها شرٌّ، فإنّ من علاماتها ظهور المهدي، ونزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وانتصارنا على اليهود، وتطهير فلسطين منهم إنْ شاء الله تعالى، وهذا كلّه خير().


    سادساً: قوله: أن تلد الأمة ربّتها:

    • جاء في رواية ثانية: "ربّها" بالتذكير بدل "ربتها" بالتأنيث، وفي رواية ثالثة: "بعلها"، ومعنى ربّها وربّتها: سيّدها ومالكها وسيدتها ومالكتها، وتفسير ذلك كما يلي:

    • قال أكثر العلماء: هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن، فإنّ ولدها من سيدها بمنزلة سيدها، لأنّ مال الإنسان صائر إلى ولده، وقد يتصرّف فيه في الحال تصرف المالكين له.

    • وقيل معناه: أنّ الإماء يلدن الملوك، فتكون أمُّه من جملة رعيته، وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته.


    • وقيل معناه: أنّه تفسد أحوال الناس، فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان، فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنُها وهو لا يدري.

    • وقيل: يكثر عقوق الأمهات، فتصبح البنت تعامل أمها كما تعامل الجارية أو الخادمة، ولا تعاملها معاملة الأمّ().


    سابعاً: قوله: "وأنْ ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان:

    • العالة هم الفقراء، والعائل هو الفقير، والعَيْلَة هي الفقر، والرِّعَاء بكسر الراء وبالمدّ ويقال فيهم: رعاة بضم الراء وزيادة التاء المربوطة بلا مدّ، ومعناه: أنّ أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تُبْسَط لهم الدنيا حتى يتباهوا في البنيان().


    ثامناً: قوله: "فلبثتُ مليّاً": العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان:

    • أي مكثتُ وقتاً طويلاً، وجاء في رواية أنّ عمر ابن الخطّاب  قال ذلك بعد ثلاث ليالٍ، وظاهر هذا الكلام يخالف رواية أبي هريرة حيث قال فيها: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله : رُدّوا عليَّ الرجل، فأخذوه ليردّوه فلم يروا شيئاً، فقال النبي : "هذا جبريل"().

    • وللجمع بين رواية عمر وأبي هريرة نقول: يُحْتَمل أنّ عمر  لم يحضر قول النبي للصحابة في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبي الحاضرين في الحال، وأخبر عمر  بعد ثلاث ليالٍ إذ لم يكن حاضراً وقت إخبار الباقين().


    تاسعاً: قوله: "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم":

    • هذا القولفيه بيان أن الإيمان والإسلام والإحسان تُسَمَّى كلُّها ديناً، وفيه أنّ جبريل  جاء بهذه الصورة من أجل أنْ يعلّم من حضر من الصحابة أمور الدين المتمثّلة في الإسلام والإيمان والإحسان وعلامات الساعة.


    ما يرشد إليه الحديث يعلمكم دينكم":

    • بيان آداب طالب العلم من محافظته على النظافة وحسن المظهر وجلوسه أمام شيخه كما حدث من جبريل  بين يدي النبي .

    • بيان أنّه ينبغي لمن حضر مجلس العام إذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة لا يسألون هم عنها أنْ يسأل هو عنها ليحصل الجواب للجميع.

    • وفيه أنه ينبغي للعالم أنْ يرفق بالسائل، ويدنيه منه ليتمكن من سؤاله غير هائب ولا منقبض.


    • وفيه أنّه ينبغي للسائل أنْ يرفق في سؤاله.

    • وفيه إذا لم يعرف العالم ما يُسْأَل عنه ينبغي له أنْ يقول: لا أعلم، وهذا من أدب العلماء كما فعل رسول الله .

    • بيان معنى كلّ من الإسلام والإيمان والإحسان. الإحسان مرتبة سامية، ومنزلة عالية، أعلى من الإيمان.

    • الحثّ على مراقبة الله تعالى، واستشعار المسلم بأنّ الله  يطّلع عليه ويراقبه في كلّ تصرفاته.

    • للساعة أمارات وعلامات تدل على قرب وقوعها، ولكنها لا تدل على الوقت الدقيق لقيامها.

    • بيان أنّ كلمة الدين تشتمل على الإسلام والإيمان والإحسان.


    الحديث الثاني في سؤاله.حديث السبعة الذين يستظلون بظل الله تعالى يوم القيامة

    • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ"().


    شرح الحديث في سؤاله.

    • أولاً: قوله: "سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه":

    • أي سبعة أصناف من الناس سيفوزون بظل الله تعالى يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله، وإضافة الظل إلى الله تعالى إضافة مِلْك وتشريف، وأيّ ظل فهو لله وملكه وخلقة وسلطانه. المراد بالظل هنا ظل العَرْش، وظاهر الحديث اختصاص المذكورين بالثواب المذكور. ووجّه الكرماني هذا الاختصاص بأنّ الطاعة إمّا أن تكون بين العبد وبين ربّه أو بينه وبين الخلق؛ فالأول: باللسان وهو الذِّكر، أو بالقلب وهو المعلَّق بالمساجد، أو بالبدن وهو الناشيء في العبادة، والثاني: عام وهو العدل، أو خاص بالقلب وهو التحابّ في اللهّ، أو بالمال وهو الصدقة، أو بالدين وهو العِفّة.


    • ووقع في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعاً "من أنظر مُعْسِراً، أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وهاتان الخَصْلتان غير الخصال السبعة المذكورة في الحديث الذي نشرحه، فدلّ ما ذُكِر في حديث أبي اليسر في صحيح مسلم على أنّ العدد المذكور لا مفهوم له.

    • وقد أفرد ابن حَجَر العسقلاني المستظلّين في ظل الله تعالى في جزء سمّاه "معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال"، وهذا يعني أن ظل الله تعالى ليس لهؤلاء فقط بل لهم ولغيرهم.


    ثانياً: قوله: "الإمام العادل": اليسر مرفوعاً "من أنظر مُعْسِراً، أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله"، وهاتان الخَصْلتان غير الخصال السبعة المذكورة في الحديث الذي نشرحه، فدلّ ما ذُكِر في حديث أبي اليسر في صحيح مسلم على أنّ العدد المذكور لا مفهوم له.

    • المراد به صاحب الولاية العظمى، وهو كلّ من وَلِي مصالح المسلمين من الولاة والحكام، ويلتحق به صاحب الولاية الصغرى وهو كلّ من ولي شيئاً من أمور المسلمين فعدل فيه. وأحسن ما فُسِّر به الإمام العادل أنّه الذي يتبع أمر الله بوضع كلّ شيء في موضعه من غير إفراط ولا تفريط، وقدّمه في الذكر لكثرة مصالحه وعموم النفع به، وتعدّي نفعه إلى غيره.


    ثالثاً: قوله: "وشابّ نشأ في عبادة الله":

    • هذا الشابّ نشأ متلبّساً بالعبادة، أو مصاحباً لها أو ملتصقاً بها، أفنى شبابه ونشاطه في عبادة الله، وخَصّ الشابّ بالذكر لكونه مَظنّة غلبة الشهوة عليه لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى والشهوة، فإنّ ملازمة العبادة مع ذلك أشدّ وأدلّ على غلبة التقوى.


    رابعاً: قوله: "ورجل قلبه معلق في المساجد":

    • هذا الرجل شديد الحبّ لبيوت الله تعالى، وملازم للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود في المسجد()، ومعلّق ظاهره على التعليق كأنّه شبّهه بالشيء المعلّق في المسجد كالقنديل مثلاً إشارة إلى طول الملازمة بقلبه، وإنْ كان جسده خارجاً عنه، ويحتمل أنْ يكون من العلاقة وهي شدّة الحب().


    خامساً: قوله: "ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه":

    • أصله تحابباً أي اشتركا في جنس المحبة، وأحبّ كلّ منهما الآخر حقيقة لا إظهاراً فقط، ومعناه اجتمعا على حب الله وافترقا على حب الله، أي كان سبب اجتماعهما حبّ الله واستمرّا على ذلك حتى تفرّقا من مجلسهما، وهما صادقان في حبّ كلّ واحد منهما صاحبه لله تعالى، حال اجتماعهما وافتراقهما، وعُدَّت هذه الخَصْلة واحدة مع أنّ متعاطيها إثنان؛ لأنّ المحبّة لا تتمّ إلاّ بإثنين، أو لمّا كان المتحابّان بمعنى واحد كان عَدّ أحدهما مغنياً عن عدّ الآخر لأنّ الغرض هو عدّ الخصال لا عدّ من اتصف بها().


    سادساً: قوله: "ورجل طلبته ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله":

    • أي رجل دعته امرأة ذات أصل وشرف ومنصب وجمال، أي جمعت كلّ الصفات المغرية المرغوبة، وقد وصفها بأكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه وهو المنصب الذي يستلزمه الجاه والمال مع الجمال، وقَلَّ من يجتمع ذلك فيها من النساء.

    • والمراد بعبارة "دعته" أي دعته إلى ارتكاب الفاحشة بها، وأقبلت عليه وكفته مؤونة البحث والتفتيش عنها، ولكنه صبر في هذه المحنة الشاقّة فلم يستجب لها ولشهوته وهواه، وملأ خوف الله تعالى قلبه، وعلم أنّ الله مطلّع عليه، فقال: إنّي أخاف الله، يقول ذلك بلسانه إما ليزجرها عن الفاحشة، أو ليعتذر إليها، ويحتمل أن يقوله بقلبه من شدّة خوفه من الله تعالى وتقواه وحيائه().


    سابعاً: قوله: "ورجل تصدق بصدقة أخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه":

    • رجل تصدّق بصدقة نكّرها ليشمل كلّ ما يتصدّق به من قليل وكثير، وظاهره أيضاَ يشمل الصدقة المندوبة والمفروضة، ولكنْ نقل النووي عن العلماء أنّ إظهار الصدقة المفروضة أولى من إخفائها، وأمّا صدقة التطوع فالسرّ فيها أفضل، لأنّه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء.

    • والمراد من قوله: "حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" المبالغة في إخفاء صدقة التطوع لدرجة أنّ شماله مع قربها من يمينه وتلازمها لو تصوّر أنّها تعلم لَمَا علمت ما فعلت اليمين لشدّة إخفائها، فهو على هذا من مجاز التشبيه().


    ثامناً: قوله: "ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه":

    • ورجل ذكر الله أي بقلبه من التذكّر، أو بلسانه من الذكر، وخالياً أي من الخلو لأنّه يكون حينئذ أبعد من الرياء، والمراد خالياً من الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ، ففاضت عيناه خشية من الله تعالى وشوقاً إليه، وأسند الفيض إلى العين مبالغة كأنّها هي التي فاضت().وقدعلّق شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني على تخصيص ذكر الرجال في كلّ الخصال فقال: ذِكْر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له، بل تشترك النساء معهم فيما ذُكِر إلاّ إنْ كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى، وإلاّ فيمكن دخول المرآة حيث تكون ذات عيال فتعدل فيهم،


    • وتخرج خصلة ملازمة المسجد لأنّ صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن، حتى الرجل الذي دعته المرأة فإنّه يُتَصوّر في امرأة دعاها مَلِك جميل مثلاً فامتنعت خوفاً من الله تعالى مع حاجتها().


    ما يرشد إليه الحديث صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن، حتى الرجل الذي دعته المرأة فإنّه يُتَصوّر في امرأة دعاها مَلِك جميل مثلاً فامتنعت خوفاً من الله تعالى مع حاجتها

    • سبعة فازوا بظل الله يوم لا ظل إلا ظله؛ وذلك بفضل صدق إيمانهم وإخلاصهم في عبوديتهم لله.

    • الإمام العادل فضله عظيم عند الله، فبصلاحه يصلح المجتمع.

    • في الحديث دعوة للشباب إلى استغلال طاقاتهم في الدعوة الإسلامية وتبليغها.

    • فيه دعوة للمحافظة على صلاة الجماعة في المسجد.


    • فيه دعوة إلى توثيق العلاقة الوطيدة القائمة بين المسلمين.

    • فيه دعوة إلى إخفاء صدقة التطوع وعد إظهارها، وذلك أقرب إلى الإخلاص لله تعالى وعدم الرياء.

    • الحث على ذكر الله تعالى في جميع الأحوال؛ وذلك لِما في هذا الذكر من طمأنينة القلب.

    • الحث على ترك شهوات الدنيا من مال ومنصب وجاه وجمال وغير ذلك، وتحصيل مرضاة الله.


    الحديث الثالث الوطيدة القائمة بين المسلمين.حديث كيف الأمر إذا لم تكن جماعة

    • عن أَبي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ عَنْ الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ قَالَ نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ قُلْتُ وَمَا دَخَنُهُ قَالَ قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ قُلْتُ فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ قَالَ نَعَمْ دُعَاةٌ إِلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا فَقَالَ هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا قُلْتُ فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ قُلْتُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ قَالَ فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى().


    • قوله: ( الوطيدة القائمة بين المسلمين.كان الناس يسألون) المقصود بالناس الصحابة  كما في رواية (كان أصحاب رسول الله)، أو المقصود أصحابه خاصة كما في رواية (تعلم أصحابي الخير وتعلمت الشر).

    • قوله: (مخافة أن يدركني) وفي رواية (وعرفت أن الخير لن يسبقني) فاتضح بذلك سر سؤاله عن الشر وتميزه بالسؤال عنه.

    • قوله: (في جاهلية وشر) الجاهلية هي الحال التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله، وشرائع الدين والمفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر...الخ والمقصود ما كان قبل الإسلام من الكفر وقتل بعضهم بعضاً، ونهب بعضهم بعضا ًوإتيان الفواحش.


    • قوله ( الوطيدة القائمة بين المسلمين.فجاءنا الله بهذا الخير)، يعني الإيمان والأمن وصلاح الحال واجتناب الفواحش، وقد عبر عن الإسلام بالخير لأن كل ما فيه خير محض.

    • قوله (فهل بعد هذا الخير من شر قال نعم). وفي رواية (فتنة)، وفي رواية أخرى (فما العصمة منه قال:السيف)، المراد بالشر ما يقع من الفتن من بعد قتل عثمان  وهلم جرا.

    • قوله: (وهل بعد ذلك الشر من خير قال نعم وفيه دخن) وأصل الدخن: أن يكون في لون الدابة كدورة إلى سواد، وقيل في معنى الدخن في الحديث الحقد، وقيل الدغل، وقيل فساد في القلب، وقيل كل أمر مكروه، وكلها متقاربة في المعنى وقال النووي: المراد بالدخن.أن لا تصفو القلوب بعضها لبعض كما كانت عليه من الصفاء().

    • حيث جاء في حديث آخر (لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه).


    • قوله ( الوطيدة القائمة بين المسلمين.قوم يهدون بغير هديي) ورد بياء الإضافة بعد الياء عند الأكثر، وبياء واحدة مع التنوين عند آخرين. والهدي: السيرة والهيئة والطريقة، ويكون المعنى بياء الإضافة يسيرون على غير طريقتي، وعلى الثاني بياء واحدة، يسيرون على غير طريقةٍ ولا يلتزمون منهجاً.

    • قوله (تعرف منهم وتنكر) الإنكار ضد المعروف.فهؤلاء القوم تعرف بعض أعمالهم موافقة للإسلام، وتنكر عليهم أموراً مخالفة للإسلام.

    • قوله: (دعاة) جمع داعٍ. وأصل الدعوة طلب إحضار الشيء، والداعية هو الذي يدعو إلى دين أو فكرة سواء كانت حسنة أم سيئة، والمقصود بها هنا الدعوة إلى غير الحق.


    • قوله: ( الوطيدة القائمة بين المسلمين.على أبواب جهنم) أطلق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم وهو كما يقال لمن أمر بفعل محرمٍ وقف على شفير النار.

    • قوله: (هم من جلدتنا) أصل الجلد غشاء البدن، وجلدة الشيء ظاهرة. والمعنى من قومنا، ومن أهل لساننا وملتنا.وفيه إشارة إلى أنهم من العرب ويؤيد ذلك أن السمرة غالبة على العرب واللون إنما يظهر في الجلد وقال الداودي هم من بني آدم، وقيل هم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون.

    • قوله: (من أجابهم إليها قذفوه فيها)، المقصود بالإجابة، الإجابة إلى أسباب دخول النار لا إليها (وقذفوه) أي تسببوا في قذفه لا أنهم هم الذين يقذفونه.


    • قوله: ( الوطيدة القائمة بين المسلمين.تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) أي أميرهم. واللزوم الثبات على الشيء والمداومة عليه والتعلق به،والجماعة هم الطائفة من الناس يجمعها غرض واحد.وقد أضيفت إلى الاسم المعرف بأل ليستغرق كل المسلمين.وقد عطف لزوم الإمام على لزوم جماعة المسلمين وأضافه إلى ضمير الجمع العائد على جماعة المسلمين ليشير إلى أن الأصل أن تكون جماعة واحدة ذات أمير واحد، وغير ذلك تكون حالات شاذة.وقد جاء تأكيد اللزوم في رواية أخرى. (تسمع وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك)().


    • قوله: ( الوطيدة القائمة بين المسلمين.ولو أن تعض) أي ولو كان الاعتزال بالعض فلا تعدل عنه، وأصل العض الإمساك بالأسنان واستعمل في لزوم الشيء والإستمساك به والشد عليه، والمعنى:إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة كقولهم: فلان يعض الشجرة من شدة الألم،أو المراد اللزوم كما في الحديث (عضوا عليها بالنواجذ)

    • قوله (وأنت على ذلك) أي على العض الذي هو، كناية عن لزوم جماعة المسلمين وإطاعة سلاطينهم ولو جاروا.


    المراحل التي مرّ الوطيدة القائمة بين المسلمين.بها النظام السياسي الإسلامي التي أخبر بها الحديث:

    • المرحلة الأولى: المرحلة النبوية،أو مرحلة الخير المحض وهو قوله (فجاءنا الله بهذا الخير)، والذي كان عند وقوع السؤال من حذيفة حيث قال (فنحن فيه) وهذه المرحلة، استقر فيها الإيمان والأمن وصلاح الحال، واجتنبت الفواحش فلم يمر على الناس فترة أحسن صفاءً منها، ولا جيلاً أفضل من الجيل الذي عاش فيها.

    • المرحلة الثانية: مرحلة الشر أو السيف وهي قوله (فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم) وقوله في رواية (فما العصمة منه؟ قال: السيف)، فالحكم في هذه المرحلة ظاهر في ضرورة المقاتلة بالسيف ودحر الفتنة بالقتال.


    • المرحلة الثالثة الوطيدة القائمة بين المسلمين.: الخير الذي فيه دخن، وفي رواية (هدنة على دخن)، وهي قوله (قلت وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه قال قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر) وتسمى مرحلة التقية، أو الهدنة، (قال: فهل بعد السيف من تقية، قال: نعم هدنة) وحكم هذه المرحلة الإنكار على أهل المنكر، وتأييد المعروف والدعوة إليه.

    • المرحلة الرابعة: دعاة جهنم، أو دعاة الضلالة؟ أو الفتنة وهي قوله: (فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها...) وحكم هذه المرحلة وقع التصريح به في الحديث (فما تأمرني وإن أدركني ذلك قال تلزم جماعة المسلمين وإمامهم).


    • المرحلة الخامسة: الوطيدة القائمة بين المسلمين. مرحلة الاعتزال، مرحلة عدم وجود خليفة وجماعة وهي قوله: (قلت فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل الشجرة...)

    • المرحلة الأولى والأخيرة فمعلومتان، فالأولى مرحلة النبوة، والأخيرة مرحلة فروغ الزمان من خليفة، وأما ما بين هاتين المرحلتين فوقع الاختلاف بين العلماء في المقصود بهذه المرحل.

    • فذهب القاضي عياض إلى أن المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت بعد عثمان، والمراد بالخير الذي بعده ما وقع في خلافة عمر بن عبدالعزيز، والمراد بالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده فكان فيهم من يمسك بالسنة والعدل،وفيهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور.


    • وقال ابن حجر تعقيباً على كلام القاضي عياض: والذي يظهر أن المراد بالشر الأول، ما أشار إليه من الفتن الأولى، وبالخير ما وقع من الاجتماع مع علي ومعاوية، وبالدخن ما كان في زمنهما من بعض الأمراء بالعراق، وخلاف من خالف عليه من الخوارج.وبالدعاة على أبواب جهنم من قام في طلب الملك من الخوارج وغيرهم.قال وإلى ذلك الإشارة بقوله تلزم جماعة المسلمين وإمامهم بمعنى ولو جار.


    • ويوضح ذلك في رواية (ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك) وكان مثل ذلك كثيراً في إمارة الحجاج ونحوه.

    • وقال الكرماني: يحتمل أن يراد بالشر زمان قتل عثمان ، وبالخير بعده زمان خلافة علي ، والدخن الخوارج ونحوهم،والشر بعده زمان الذين يعلنونه على المنابر.


    • المقصود بجماعة المسلمين وإمامهم: وأخذ مالك) وكان مثل ذلك كثيراً في إمارة الحجاج ونحوه.

    • قيل الجماعة: هي السواد الأعظم ودليل ذلك قول أبي مسعود أنه وصى من سأله لما قتل عثمان قال:(عليك بالجماعة فإن الله لم يكن يجمع أمة محمد  على ضلالة).

    • وقيل المقصود بهم: الصحابة  دون من بعدهم.

    • وقيل المراد بهم أهل العلم لأن الله جعلهم حجة على الخلق،والناس لهم تبع في أمر الدين.

    • وقال الطبري: (الصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج من الجماعة).


    • وأورد وأخذ مالك) وكان مثل ذلك كثيراً في إمارة الحجاج ونحوه.الشاطبي في كتابه الاعتصام الأحاديث الدالة علىالجماعة وذكر خمسة أقوال في الجماعة هي:

    • أن الجماعة أهل الإسلام إذا اجتمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل إتباعهم.

    • أن الجماعة السواد الأعظم من أهل الإسلام.

    • أن الجماعة العلماء المجتهدون.

    • أن الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير.

    • أن الجماعة هم الصحابة  على وجه الخصوص.

    • ثم رجّح الشاطبي ما رجحه الطبري من كون الجماعة،جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير.


    ما يرشد إليه الحديث وأخذ مالك) وكان مثل ذلك كثيراً في إمارة الحجاج ونحوه.

    • فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على الأئمة.

    • إذا وقعت الفتنة وافترق الناس أحزاباً فلا يتبع أحداً في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك خشية من الوقوع في الشر.

    • فيه بيان لحكمة الله في عباده كيف أقام كلاً منهم فيما شاء فحبب إلى كثير من الصحابة السؤال عن وجوه الخير ليعلموها ويبلغوها غيرهم، وحبب لحذيفة السؤال عن الشر ليجتنبه ويكون سبباً في دفعه عمن أراد الله له النجاة.

    • وفيه بيان لسعة صدر النبي  ومعرفته بوجوه الحِكَمِ كلها حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه.


    • ويؤخذ منه أن كل من حبب إليه شيء فإنه يفوق فيه غيره، ومن ثم كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره حتى خص بمعرفته أسماء المنافقين.

    • ويؤخذ منه أن من أدب التعليم أن يعلم التلميذ من أنواع العلوم ما يراه مائلاً إليه من العلوم المباحة فإنه أجدر إلى أن يسرع إلى تفهمه والقيام به.

    • ويؤخذ منه ذم من جعل للدين أصلاً خلاف الكتاب والسنة وجعلهما فرعاً لذلك الأصل الذي ابتدعوه.

    • ويؤخذ منه وجوب رد الباطل وكل ما خالف الهدي النبوي ولو قاله من قاله من رفيع أو وضيع().

    • () فتح الباري 13/37.


    الحديث الرابع فإنه يفوق فيه غيره، ومن ثم كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره حتى خص بمعرفته أسماء المنافقين.من فضائل بيت المقدس

    • عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَيْنَ هُمْ قَالَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ"().


    • معاني المفردات الغريبة في الحديث فإنه يفوق فيه غيره، ومن ثم كان حذيفة صاحب السر الذي لا يعلمه غيره حتى خص بمعرفته أسماء المنافقين.

    • قول النبي : "من خالفهم": أي أعداؤهم المخالفون لهم في الدين سواء كانوا من أهل الكتاب أو من غيرهم.

    • قول النبي : "لأواء": أي الشدّة وضيق العيش().

    • قول النبي : "أكناف بيت المقدس": الأكناف جمع كَنَف، والكَنَف ناحية الشيء وما حوله، وأكناف بيت المَقْدِس أي نواحيها وما حولها().

    • والمراد بأكناف بيت المقدس هنا القُرَى والمدن المحيطة بها، ويُرَاد بها فلسطين، وقيل: بلاد الشام.


    • المراد ببيت المَقْدِس القُدْس بضم القاف وسكون الدال، والقُدُس بضمّ القاف والدال، وقد ذكر أهل اللغة العربية أنّ معنى القُدُْس بسكون الدال أو ضمّها هو الطهر والبركة، والتقديس هو التطهير والتبريك وتنزيه الله تعالى عمّا لا يليق بذاته العليّة جلّ وعلا، كما يُطْلَق على القدس البيت المقدّس بضمّ الميم وفتح القاف والدال المشدّدة بمعنى البيت المطهّر الذي يُتَطَهرّ به من الذنوب والمعاصي لله تعالي().


    شرح الحديث بضم القاف وسكون الدال، والقُدُس بضمّ القاف والدال، وقد ذكر أهل اللغة العربية أنّ معنى القُدُْس بسكون الدال أو ضمّها هو الطهر والبركة، والتقديس هو التطهير

    • هذا الحديث الصحيح فيه بُشْرَيات طيبة من الرسول لأهل القدس وسائر فلسطين، بل ولأهل الشام المرابطين على ثرى القدس وبيت المقدس وأكناف بيت المقدس، وأنّ هؤلاء المرابطين والمجاهدين لعدوهم هم الطائفة المنصورة على هذا العدو إلى يوم القيامة.

    • كما أنّ في هذا الحديث إعجازاً فقد أخبر النبي عن هذه البشائر، وأنّها ستبقى لهذه الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة،


    • حيث لا يضرّهم ولا يثنيهم عن واجبهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والقيام على هذا الحقّ والدين وتبليغ رسالة السماء، والقيام بالجهاد والرباط في سبيل الله  لا يثنيهم عن ذلك قتال أعدائهم من أهل الكتاب وغيرهم، ولا مخالفة هؤلاء الأعداء لهم، ولا ما أصابهم من شدّة وضنك وضيق معيشة أو أي عقبة أخرى توضع في طريقهم، وقد أكّد رسول الله هذه المعاني بألفاظ مختلفة ومؤكّدات عدّة منها:


    • قول الرسول واجبهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والقيام على هذا الحقّ والدين وتبليغ رسالة السماء، والقيام بالجهاد والرباط في سبيل الله : "لا تزال طائفة من أمتي": ففعل "لا تزال" مضارع يفيد الاستمرارية والدوام إلى أنْ يأتي أمر الله وهم كذلك أي حتى يأتي يوم القيامة أو علامات يوم القيامة الكبرى أو ما يقدّره الله تعالى من نصر على الأعداء.

    • قول النبي : "على الدين ظاهرين": فهؤلاء المجاهدون المرابطون سيبقَوْنَ بإذن الله تعالى ظاهرين وقائمين على الحقّ والدين، كما هو الحال في رسالة النبي حيث يقول الله :هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ().


    • قول الرسول واجبهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والقيام على هذا الحقّ والدين وتبليغ رسالة السماء، والقيام بالجهاد والرباط في سبيل الله : "لعدوهم قاهرين": أي أنّ هؤلاء المؤمنين من هذه الطائفة المنصورة سيبقون قاهرين لأعدائهم، وشوكةً في حلوقهم، وعقبة أمام تحقيق أهدافهم وأطماعهم وطموحاتهم ومخططاتهم.

    • قول النبي : "لا يضرهم من خالفهم، ولا ما أصابهم من لأواء": يعني أنّ هؤلاء المجاهدين والمرابطين في سبيل الله لا يتأثّرون بمخالفة أولئك الأعداء لهم، ولا بما يصيبهم منهم من لأواء: أي شدّة ومشقة وضنك وضيق معيشة وحصار وتدمير وتجريف وإلحاق أذى وغير ذلك.


    • قول النبي واجبهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والقيام على هذا الحقّ والدين وتبليغ رسالة السماء، والقيام بالجهاد والرباط في سبيل الله : "حتى يأتي أمر الله وهم كذلك": يعني أنّ هذه الطائفة المؤمنة المنصورة سيبقى أتباعها بهذه المواصفات والبشريات المذكورة آنفاً إلى يوم القيامة من الظهور على الحقّ والدين والقهر للعدو والصبر على الأذى وعلى المشقّة وضيق المعيشة.


    • قوله: قالوا: يا رسول الله وأين هم؟: القائل هو الصحابي الجليل أبو أُمَامَة، وهو صُدَي بن عَجْلان الباهلي - راوي الحديث عن الرسول .

    • وواو الجماعة المذكورة في قول الصحابي أبي أمامةالباهلي: (قالوا) تعود على بعض الصحابة  أو أحدهم ممّن كان حاضراً في مجلس الرسول .

    • وهذا السؤال يدلّ على أنّ هؤلاء الصحابة كانوا حريصين على الاستفسار عن أمور دينهم، وعن الخير المترتّب على هذا الدين وعلى كلام الرسول .

    • وفي هذا الحديث فضيلة من فضائل القدس وبيت المقدس تتمثّل في البشائر المذكورة فيه، علماً بأنّ لهذه المدينة المقدّسة المباركة ولمسجدها الأقصى المبارك فضائل أخرى متعددة منها:


    • أولاً: هم؟: فيها المسجد الأقصى المبارك الذي بارك الله فيه وحوله، والذي هو سبب البركة بفضل الله تعالى لكلّ فلسطين وبلاد الشام. قال الله تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ().

    • وقد ذكر بعض العلماء أنّ سبب تسمية المسجد الأقصى بهذا الاسم تمثّل فيما يأتي:

    • لبعد المسافة بينه وبين المسجد.

    • وقيل: لبعده عن الأقذار والخبائث.

    • وقيل: كان هذا المسجد أبعد مسجد عن أهل الأرض في الأرض يُعَظَّم للزيارة والعبادة().


    • كما ذكر بعض المفسّرين أنّ البركة حول المسجد الأقصى تقتضي باللازم أنّ يكون مباركاً ومكانه مباركاً، كما ذكروا أنّ معنى البركة فيه وحوله أي مباركته بالأنهار والأشجار والزروع والثمار ومقابر الأنبياء ومقرّهم وقبلتهم ومهبط الملائكة والوحي وفيه يُحْشَر الناس يوم القيامة().


    • ثانياً: حول المسجد الأقصى تقتضي باللازم أنّ يكون مباركاً ومكانه مباركاً، كما ذكروا أنّ معنى البركة فيه وحوله أي مباركته بالأنهار والأشجار دخل بيتَ المَقْدس عددٌ كبير من الأنبياء، أشهرهم: إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب وداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى وخاتمهم محمد عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه.

    • كما دخلها من الصحابة نفرٌ كثير، منهم: عمر بن الخطاب وأبو عبيدة عامر بن الجراح وأبو الدرداء وسعيد بن زيد وعبدالله بن عمر ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وابناه عبدالله وعبيد الله ومعاذ بن جبل وأبو ذرّ الغِفَاري وسَلْمَان الفارسي وخالد بن الوليد وعبدالله بن سلاّم وأبو هريرة وأبو أمامةالباهلي وعبادة بن الصامت وتميم الداري وأمّ المؤمنين صفيّة بنت حُيَي بن أَخْطَب  جميعاً.


    • ومن التابعين دخلها كعب الأحبار ويَعْلَى بن شدّاد وجُبَيْر بن نُفَيْر وقَبِيصة بن ذُؤَيبوعبدالله بن مُحَيريزوهانيء بن كُلْثُوم وعبدالملك بن مروان وعمر بن عبدالعزيز ورجاء بن حَيْوَة ومقاتل بن سليمان وأمّ الدرداء الصغرى ورابعة العدوية وغيرهم كثير رحمهم الله تعالى.


    • ثالثاً: ويَعْلَى بن شدّاد يُعَدّ المسجد الأقصى ثاني المسجدين تأسيساً وبناءً لعبادة الله تعالى في الأرض بعد المسجد الحرام، وكان هذا البناء للمسجدين في عهد آدم عليه الصلاة والسلام. أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي ذرّ الغِفَاري  قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام"، قال: قلت: ثم أي؟ قال: "المسجدالأقصى"، قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة"، ثم أين ما أدركتك الصلاة بَعْدُ فصلِّ، فإنّ الفضل فيه"().


    • رابعاً ويَعْلَى بن شدّاد : كانت القدس ومسجدها الأقصى أولى القبلتين صلّى إليها رسول الله والمسلمون ستة عشر – وقيل: سبعة عشر- شهراً قبل أنْ تُحَوّل القبلة إلى الكعبة المشرّفة والمسجد الحرام بمكّة المكرّمة في منتصف شعبان من السنة الثانية للهجرة، كما في قول الله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ…()، في حين كانت القدس قبلة لجميع الأنبياء قبل النبي ، وبقيت كذلك لغير المسلمين بعد تحويل قبلة المسلمين إلى المسجد الحرام في مكّه المكرّمة.


    • خامساً: ويَعْلَى بن شدّاد إلى القدس ومسجدها الأقصى كان الإسراء برسول الله من المسجد الحرام بمكّة ثم منها كان المعراج به إلى السموات العلا، وقد كانت هذه حادثة الإسراء والمعراج بصحبة أمين الوحي جبريل ، وقد خلّد الله تعالى هذه الحادثة قرآناً يُتْلَى إلى يوم القيامة كما في أول سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ()،


    • وكما في قول الله تعالى في مطلع سورة النجم: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى().

    • ومن ثَمّ فقد كانت القدس والمسجد الأقصى محور الارتكاز في هذه الرحلة الميمونة ذهاباً وإياباً، وفي هذه الرحلة التقى النبي بإخوانه الأنبياء والمرسلين وصلّى بهم إماماً في المسجد الأقصى، كما فُرضت عليه الصلاة في معراجه إلى السماء.

    • () النجم:1-10.


    • سادساً: سورة النجم: في المسجد الأقصى يُضاعف أجر الصلاة إلى خمسمائة ضعف، كما في حديث الصحابي الجليل أبي الدرداء قال: قال رسول الله : "فَضْل الصلاة في المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة، وفي مسجدي هذا ألف صلاة، وفي مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة"()، كما تُغْفر الذنوب بالصلاة في المسجد الأقصى كما قال الصحابي الجليل عبدالله ابن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما: سمعت رسول الله يقول:


    • "إنّ سليمان بن داود – عليهما السلام – سأل الله ثلاثاً، فأعطاه الله إثنتين، ونحن نرجو أنْ تكون الثالثة؛ فسأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه الله إياه، وسأله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيّما رجل خرج من بيته لا يريد إلاّ الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمّه، فنحن نرجو أنْ يكون الله  قد أعطاه إياه"().


    • سابعاً: السلام – سأل الله ثلاثاً، فأعطاه الله إثنتين، ونحن نرجو أنْ تكون الثالثة؛ فسأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه الله إياه، وسأله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيّما رجل خرج من بيته لا يريد إلاّ الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمّه، فنحن نرجو أنْ يكون الله حثّ النبي على شدّ الرِّحال إلى المسجد الأقصى وإتيانه للصلاة فيه كما في حديث ميمونة بنت الحارث – مولاة النبي  وخادمته – رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله! أفتنا في بيت المَقْدِس! فقال: "إئتوه فصلّوا فيه، فإنْ لم تأتوه وتصلّوا فيه فابعثوا بزيت يُسْرًج في قناديله"(). وكما في حديث أبي سعيد الخُدْرِي وأبي هريرة رضي الله عنهما أنّ النبي  قال: "لا تُشَدّ الرِّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي"().


    • ثامناً: السلام – سأل الله ثلاثاً، فأعطاه الله إثنتين، ونحن نرجو أنْ تكون الثالثة؛ فسأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه الله إياه، وسأله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيّما رجل خرج من بيته لا يريد إلاّ الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمّه، فنحن نرجو أنْ يكون الله إنّ القدس والمسجد الأقصى - كغيرها من بلاد الشام - تُعَدّ أرض رباط وجهاد في سبيل الله تعالى إلى يوم القيامة كما في حديث الصحابي الجليل معاذ بن جبل  قال: قال رسول الله : "يا معاذ! إنّ الله  سيفتح عليكم الشام من بعدي من العريش إلى الفرات، رجالهم ونساؤهم وإماؤهم مرابطون إلى يوم القيامة، فمن اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام أو بيت المقدس فهو في جهاد إلى يوم القيامة"().


    • هذا غيض من فيض في فضائل بيت المقدس والمسجد الأقصى نذكّر بها أبناء شعبنا الفلسطيني والعرب والمسلمين بأهمية هذه الأرض المقدّسة المباركة حتى يحافظوا على قدسيتها وصيانتها من دنس الكافرين واليهود الذين يعملون جاهدين من أجل تهويدها ومسخ الحقائق والمعالم الأثرية فيها، وحتى يهبّ هؤلاء الفلسطينيون والعرب والمسلمون وأحرار العالم لنصرة هذه المدينة المقدّسة ومسجدها الأقصى المبارك وأهلها ومقدساتها ومعالمها وآثارها، ومواجهة المخططات والاعتداءات الصهيونية المتواصلة بوتيرة متسارعة، وتقديم الدعم المالي والقانوني والإعلامي لمشاريع صمود أهلنا المقدسيين في بيت المقدس، ومن أجل الدفاع بكلّ الوسائل عن هذه القضية.


    ما يرشد إليه الحديث المقدس والمسجد الأقصى نذكّر

    • في الحديث بشرى للمؤمنين في فلسطين وبلاد الشام وفي القدس خاصة بظهورهم على أعدائهم وقهرهم لهم وعدم تأثرهم بمخالفة أعدائهم.

    • في الحديث إحدى معجزات الرسول وهي الإخبار عن تلك البشائر التي لم تحدث في عهد النبي .

    • بيان بعض فضائل القدس التي منها أنّ فيها الطائفة المؤمنة المنصورة.


    • في الحديث حثّ لهذه الطائفة المنصورة على الالتزام بالدين.

    • في الحديث دعوة لهؤلاء المؤمنين بالصبر والثبات وتحمل التكاليف والتبعات لثباتهم وظهورهم على الحقّ بسبب مقاومتهم وجهادهم للأعداء.

    • في الحديث إشارة إلى أنّ الصراع بين أهل الدين وأتباعه وبين أعدائهم سيستمر سِجَالاً إلى أنْ تأتي علامات يوم القيامة الكبرى أو نصر الله تعالى.


    الحديث الخامس المنصورة على الالتزام بالدين. ارتباط الأخلاق بالعقيدة والإيمان

    • عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ"().


    • معنى المفردات الغريبة في الحديث: المنصورة على الالتزام بالدين.

    • قول النبي : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر": أي من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إيماناً كاملاً، وخصّ الإيمان بالله وباليوم الآخر إشارة إلى المبدأ والمعاد، أي من آمن بالله الذي خلقه، وآمن أنّه راجع إليه وسيجازيه على عمله إن خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، فليفعل الخصال المذكورة.

    • قول الرسول : "فلا يؤذ جاره": وفي حديث آخر ورد قوله: "فليكرم جاره"، وورد بلفظ: "فليحسن إلى جاره". وقد ورد في تفسير الإكرام والإحسان للجار وعدم إيذائه أحاديث عدة.


    • قول النبي المنصورة على الالتزام بالدين. : "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه": كلمةالضيف: تُسْتَعمل للمفرد والجمع، لقول الله تعالى:  ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ().وجمع القِلّة: أضياف.وجمع الكثرة: ضيوف وضِيِفَان.

    • قول الرسول : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمُت": بضم الميم ويجوز كسرها، يقال: صمت يصمت صمتاً وصموتاً وصماتاً أي سكت يسكت سكوتاً.


    شرح الحديث المنصورة على الالتزام بالدين.

    • أولاً: يربط الحديث ربطاً قويّاً بين الإيمان بالله وباليوم الآخر وبين هذه والأخلاق المذكورة في الحديث وهي عدم إيذاء الجار وإكرام الضيف وقول الخير أو الصمت؛ وذلك لأنّ هذه الأعمال من ثمرات هذا الإيمان، فلا ثمرة من غير شجرة، ولا فائدة تُذْكَر من شجر بدون ثمر، كما يدلّ هذا الربط بين الإيمان وبين الأخلاق على أنّ الإسلام نظام شامل متكامل للحياة، وأنّ أقسامه مترابطة ترابطاً عضوياً، فهي أجزاء لا تتجزّأ من الإسلام،


    • فلا يمكن أنْ نأخذ من الإسلام بعض الأجزاء، وأنْ نرفض منه أجزاءً أخرى ونستبدلها بأجزاء من أديان وأنظمة أخرى، بل يجب أنْ يؤخذ كاملاً، كما قال تعالى: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ().


    • ثانياً: الأجزاء، وأنْ نرفض منه أجزاءً أخرى ونستبدلها بأجزاء من أديان وأنظمة أخرى، بل يجب أنْ يؤخذ كاملاً، كما قال تعالى: يدفع الحديثُ المسلمَ إلى هذه الأخلاق بتذكيره بالإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأنّ الإيمان من أهمّ طرق التوجيه إلى الخير، فلو أنّ الله تعالى أمرنا بالخير ونهانا عن الشرّ دون أنْ يكون هناك يوم آخر يُحَاسب فيه الناس على أعمالهم لَمَا التزم إلاّ القليل جدّاً من الناس بأوامر الله تعالى.

    • ثالثاً: في هذا الحديث جانب من النظام الاجتماعي في الإسلام الذي نظّم العلاقات الاجتماعية بين المسلمين أنفسهم وبينهم وبين غيرهم على جميع المستويات، والالتزام بهذه الآداب الاجتماعية يحقّق للمجتمع الاستقرار والسعادة().


    • رابعاً: الأجزاء، وأنْ نرفض منه أجزاءً أخرى ونستبدلها بأجزاء من أديان وأنظمة أخرى، بل يجب أنْ يؤخذ كاملاً، كما قال تعالى: يحثّ الحديث على إكرام الجار والإحسان إليه وعدم إيذائه بأي نوع من أنواع الأذى.

    • وحدّ الجوار: من سمع النداء فهو جار، وقيل: من صلّى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، وقيل: حدّ الجوار أربعون داراً عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن أمامه.

    • وكفّ الأذى عن الجار يُعَدّ حالة من الحالات الثلاثة المشروعة في التعامل مع الجيران، وهذه الحالات هي:

    • حالة عدم الإيذاء للجار أو كفّ الأذى: سواء كان هذا الأذى معنوياً أو ماديّاً، وهذه الدرجة واجبة على كلّ مسلم، والمقصر فيها يُعَدّ آثماً، كما قال رسول الله : "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: مَنْ يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جارُه بوائقَه"().


    • حالة إكرام الجار: وذلك بالتواصل الاجتماعي معه، ومشاركته في أفراحه وأحزانه ومناسباته، وهذه الدرجة الوسطى سُنّة مندوبة.

    • حالة الإحسان إلى الجار: وتتحقق هذه الحالة بالصبر على أذى الجار، وهي درجة سُنّة مندوبة أيضاً كالحالة الثانية، لا يحصّلها إلا من قوى إيمانه.


    • أقسام الجيران: الاجتماعي معه، ومشاركته في أفراحه وأحزانه ومناسباته، وهذه الدرجة الوسطى سُنّة مندوبة.ينقسم الجيران إلى ثلاثة أقسام هي:

    • جار له حقّ واحد: هو الجار الكافر غير القريب، فله حقّ الجوار فقط.

    • جار له حقّان: هو الجار المسلم غير القريب، أو الجار القريب الكافر؛ فالأول له حقّ الجِوَار والإسلام، والثاني له حقّ الجِوَار والقرابة.

    • جار له ثلاثة حقوق: هو الجار المسلم القريب، فهذا الجار له حقّ الجِوَار وحقّ الإسلام وحقّ القرابة.

    • فكلّ واحد من هؤلاء الجيران يستحقّ من الصِّلَة بقدر ما له من الحقوق().


    • خامساً: الاجتماعي معه، ومشاركته في أفراحه وأحزانه ومناسباته، وهذه الدرجة الوسطى سُنّة مندوبة. حثّ الحديث على إكرام الضيف الذي هو من آداب الإسلام، وسُنّة الأنبياء والصالحين، وقد أوجب الإمام الليث بن سعد إكرام الضيف ليلة واحدة فقط والباقي سُنّة، أمّا عامة الفقهاء والعلماء على أنأأن ّإكرام الضيف يُعَدّ سُنّة من مكارم الأخلاق وليس واجباً.

    • أمّا مدة الضيافة الواجبة على المضيف فقيل: إنّها يوم وليلة، وما زاد فهو مندوب إليه، وقيل: إنّها ثلاثة أيام، وما زاد فهو مندوب.


    • وقد جاء في رواية أبي الاجتماعي معه، ومشاركته في أفراحه وأحزانه ومناسباته، وهذه الدرجة الوسطى سُنّة مندوبة.شُرَيْح الخُزَاعي عن رسول الله  قال: "الضِيَافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، ولا يحلّ لرجل مسلم أنّ يقيم عند أخيه حتى يؤثّمه..."(). كما وردت رواية ثانية لهذا الحديث بلفظ: "الضيافة ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة"، وقال مالك معلّقاً على حديث الباب ورواياته حينما سئل عن إكرام الضيف: (يكرمه ويتحفه يوماً وليلة، وثلاثة أيام ضيافة). وقال ابن حَجَر: (واخْتُلِف: هل الثلاث غير الأول أو يعدّ منها وقال أبو عُبَيد: يتكلّف له في اليوم الأول بالبرّ والإلطاف، وفي الثاني والثالث يقدّم له ما يحضره ولا يزيد على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة).


    • والجائزة - المذكورة في الحديث الذي نشرحه - وتُسَمّى الجيزة: هي مقدار ما يجوز به المسافر من منهل إلى منهل أي من بلد إلى بلد. وهي يوم وليلة، وهي المدة التي يجب على المضيف أنْ يكرم فيها الضيف بأكثر ممّا تعوّد عليه المضيف في بيته، دون إسراف ودون أن يكلّف نفسه فوق طاقته أو يستدين لإكرام الضيف.


    • وقال الخَطّابي: (معناه أنّه إذا نزل به الضيف أنْ يتحفَه، ويزيد في البِرّ على ما بحضرته يوماً وليلة، وفي اليومين الآخرين يقدّم ما يحضره، فإذا مضى الثلاث فقد قضى حقّه، فما زاد عليها ممّا يقدّمه له يكون صدقة). وقال ابن حَجَر: (يحتمل أنْ يكون المراد بقوله: وجائزته بياناً لحالة أخرى، وهي أنّ المسافر تارة يقيم عندما ينزل عليه شهراً ليزداد على الثلاث بتفاصيلها، وتارة لا يقيم، فهذا يُعطي ما يجوز به قدر كفايته يوماً وليلة، ولعلّ هذا أعدل الأوجه).


    • وحاصل الأمر ما يلي: الراجح أنّ الضيافة واجبة على أهل البادية والأماكن التي لا توجد فيها المرافق الضرورية للمسافرين من فناديق ومطاعم، أمّا أهل المدن فلا تجب عليهم إلا لمن تربطهم بهم روابط قرابة أو صداقة أو ما شابه ذلك.

    • وأمّا قول الله تعالى:وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ()، فهذا في الضيافة غير الواجبة، أو الزيارة لشخص من مكان قريب، وإذا جاء من غير موعد سابق وفي وقت غير مناسب لأهل البيت فلا بأس أنْ يعتذروا له بكلام لطيف، وعليه ألاّ يغضب من ذلك.


    • سادساً: الضيافة واجبة على أهل البادية والأماكن التي لا توجد فيها المرافق الضرورية للمسافرين من في الحديث حثّ على قول الخير، وعلى الصمت عن غير الخير وهو الشرّ واللغو، وقد ذكر الله تعالى في مطلع سورة "المؤمنون" بعض صفات المؤمنين والتي منها قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ()، فالمسلم إذا أراد أنْ يتكلّم فليفكر قبل كلامه، فإنْ علم أنّه لا يترتّب عليه مفسدة، ولا يجرّ إلى محرّم ولا مكروه فليتكلّم، وإذا كان الكلام مباحاً فالسلامة والأولى حينئذٍ في الصمت والسكوت عن هذا الكلام، لئلا يجر المباح إلى المحرم والمكروه، امّا إذا كان الكلام يجرّ إلى الحرام والمكروه فيتعيّن حينئذٍ الصمت والسكوت.


    • - وقد يظنّ بعض الناس أنّ الكلام غير مهم، فهو مجرد كلام لا يضرّ ولا ينفع، فهذا غير صحيح، وهذا ما خطر على بال الصحابي الجليل معاذ بن جَبَل  حينما قال: يا نبي الله! وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال النبي : "ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبّ الناسَ في النار على وجوههم - أو على مناخرهم- إلاّ حصائد ألسنتهم"().


    • وكذلك حديث: غير مهم، فهو مجرد كلام لا يضرّ ولا ينفع، فهذا غير صحيح، وهذا ما خطر على بال الصحابي الجليل معاذ بن جَبَل "إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله لا يُلْقِي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وإنّ العبد ليتكلّم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوى بها في جهنم سبعين خريفاً"()، ومن ثَمّفليفكّر كلّ إنسان في كلّ كلمة قبل أنْ يقولها فإنّ الله تعالى يقول: "ما يلفظ من قول إلاّ لديه رقيب عتيد"().


    • سابعاً: غير مهم، فهو مجرد كلام لا يضرّ ولا ينفع، فهذا غير صحيح، وهذا ما خطر على بال الصحابي الجليل معاذ بن جَبَل قول النبي : "فليقل خيراً أو ليصمت": هذا القول من جوامع الكَلِم لأنّ القول إمّا خير وإمّا شرّ، وإمّا آيل إلى أحدهما، فيدخل في الخير: كلّ مطلوب من الأقوال فرضها ومندوبها، ويدخل في الشرّ كلّ منهي عنه من الحرام والمكروه، وما سوى الخير والشرّ وما يدخل فيهما هو المباح الذي يُخْشَى أن يؤول الإكثار من فعله إلى الشرّ؛ ومن ثَمّ أمر النبي عند إرادة الخوض في الشرّ والمباح بالصمت لأنّه أسلم لفاعله.


    ما يرشد إليه الحديث غير مهم، فهو مجرد كلام لا يضرّ ولا ينفع، فهذا غير صحيح، وهذا ما خطر على بال الصحابي الجليل معاذ بن جَبَل

    • الحثّ على عدم إيذاء الجار وعلى إكرامه والإحسان إليه.

    • الحثّ على إكرام الضيف، وأنّ ذلك من الإيمان.

    • من خلق المؤمن قول الحق والابتعاد عن قول الباطل والصمت عن اللغو.

    • في هذا الحديث جانب من النظام الاجتماعي، فقد نظّم الإسلام العلاقات الاجتماعية على كافة المستويات.

    • يربط هذا الحديث بين الإيمان وبين الإتيان بهذه الأعمال، لأنّ هذه الأعمال من ثمرات الإيمان.


    الحديث السادس غير مهم، فهو مجرد كلام لا يضرّ ولا ينفع، فهذا غير صحيح، وهذا ما خطر على بال الصحابي الجليل معاذ بن جَبَل عناية السّنّة بصحّة الإنسان

    • عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ"().


    • معاني المفردات الغريبة في الحديث:

    • قول النبي : "نعمتان": تثنية نعمة، وهي الحالة الحسنة، وقيل: هي المنفعة المفعولة على جهة الإحسان للغير.

    • قول النبي : "مَغْبُون": الغُبُن بالسكون وبالتحريك من غَبَن الشيء غبناً بمعنى نسيه أو أغفله أو غلط فيه().

    • قول النبي : "الصحة":في اللغة: أصل يدل على البراءة من المرض والعيب وذهابهما، ويدلّ أيضاً على الاستواء().


    • والصحة في الاصطلاح: الحديث: وردت في ذلك أقوال عدة منها:

    • أنّ الصحة هي هيئة بدنية تكون الأفعال معها سليمة ومعها العافية التي هي أفضل ما أنعم الله به على الإنسان ولا يكفرها().

    • أنّ الصحة هي حالة طبيعية تجري أفعال البدن معها على المجرى الطبيعي().

    • وعرّفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنّها حالة السلامة والكفاية البدنية والعقلية والاجتماعية الإيجابية، وليست مجرد الخلو من المرض أو العجز فقط()، وهذا هو القول الراجح لأنّه أشمل التعريفات.


    شرح الحديث الحديث:

    • لقد اهتم الإسلام بصحة الأبدان اهتماماً كبيراً، وقد أعلى القرآن الكريم شأن القوة والصحة، وحثّ رسول الله على العناية بها.

    • وصحة البدن وعافيته من أجلّ وأعظم نعم الله على عباده، وهي أول ما يسأل عنه العبد من النعيم يوم القيامة، وصحة الإنسان ليست ملكاً له فهو لم يخلق نفسه، ولا عضواً من أعضائه، وإنّما الصحة أمانة عنده، استودعه الله إياها وائتمنه عليها؛ ومن ثَمّ وجب على الإنسان مراعاتها وحفظها وحمايتها وعدم التفريط فيها، وعليه توظيفها في عبادة الله وطاعته،


    • فإذا كانت غاية الصحة في المجتمعات المادية تعني تمتع أفرادها بصحة تمكنهم من الاستمتاع بلذات الحياة الدنيوية فهي مجتمعات قد انسلخت عن رِبْقة العبودية لله تعالى، ولا تأمل في حياة أخرى، فإنّ غاية الصحة في المجتمع المؤمن تحقيق معنى العبودية لله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ().

    • فمتى استردّ العبد صحته واصل رسالته التي خُلِق من أجلها، فحياة المؤمن وصحته لربّه ودينه، فمن توجيهات القرآن للعناية بالصحة والحثّ عليها قوله سبحانه وتعالى على لسان ابنة شعيب عن موسى : إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ().


    • (قال ابن بطال: معنى الحديث أنّ المرء لا يكون فارغا حتى يكون مكفيّاً صحيح البدن، فمن حصل له ذلك فليحرص على ألاّ يُغْبَن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومن شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرّط في ذلك فهو المغبون. وأشار بقوله: "كثير من الناس" إلى أنّ الذي يوفّق لذلك قليل.

    • وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرّغاُ لشغله بالمعاش، وقد يكون مستغنياً ولا يكون الإنسان صحيحاً، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون، وتمام ذلك أنّ الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة،


    • فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون، لأنّ الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلا الهرم. وقال الطيبي: ضرب النبي  للمكلّف مثلاً بالتاجر الذي له رأس المال، فهو يبتغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه في ذلك أن يتحرّى فيمن يعامله ويلزم الصدق والحِذْق لئلا يغبن، فالصحة والفراغ رأس المال، وينبغي له أن يعامل الله بالإيمان ومجاهدة النفس؛ ليربح خيري الدنيا والآخرة، وقريب منه قول الله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ().


    • وعليه أنْ يجتنب مطاوعة النفس ومعاملة الشيطان لئلا يضيّع رأس ماله مع الربح. وقوله في الحديث: "مغبون فيهما كثير من الناس" كقوله تعالى: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ().

    • فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي: اختلف في أول نعمة الله على العبد فقيل: الإيمان، وقيل: الحياة، وقيل: الصحة، والأول أولى فإنّه نعمة مطلقة، وأمّا الحياة والصحة فإنّهما نعمة دنيوية، ولا تكون نعمة حقيقية إلاّ إذا صاحبت الإيمان، وحينئذ يُغْبَن فيها كثير من الناس أي يذهب ربحهم أو ينقص،


    • ، فمن استرسل مع نفسه الأمّارة بالسوء الخالدة إلى الراحة فترك المحافظة على الحدود والمواظبة على الطاعة فقد غُبِن، وكذلك إذا كان فارغاً فإنّ المشغول قد يكون له معذرة بخلاف الفارغ فإنّه يرتفع عنه المعذرة وتقوم عليه الحُجّة)().

    • والمغبون من ساءت صحته، واعتلّ جسده وخارت قواه وتجرّع الألم ساعة بعد ساعة، ومغبون أيضاً من اشتغل بدنياه حتى استنفذت قواه، ولم يبقِ له فراغاً يتعبّد فيه، ويتدبّر في ملكوت الله، ويلتمس طريق النجاة، وفي وقتنا اليوم كثير من الناس يقضي أحدهم وقته،


    • ويفني عمره بين العمل والمتعة، وينشد المتعة بأي مكان وبأي أسلوب كان، ويستمرّ في هذه الشهوات فلا يفيق منها حتى يموت، لم يقف يوماً بل لم يسأل نفسه ساعة لماذا خُلِق؟ وماذا قدّم لدعوته؟ وماذا بعد الموت؟ وهل الدنيا هي غاية الطريق، وبتعاقب الليل والنهار ينصرم العمر ويكون هو المغبون فعلاً ومن على شاكلته().


    • فالصحة من أجلّ نعم الله على عباده، وأجزل عطاياه، وأوفر منحه، بل العافية المطلقة أجلّ النعم على الإطلاق، فهي مِنّة عظمى تلي نعمة الإيمان في الأهمية، فالقوي في جسمه والقوي في عقله وفكره أقدر على التعلّم والعمل، والسعي في مجالات الحياة المختلفة لعمارة الأرض، وإقامة الخلافة عليها.

    • ولا يقدّر قيمة الصحة حقّ قَدْرها مثل صاحب العلّة، التي تصيبه وتضعفه، وتسهّره الليالي الطوال، وإذا أزمنت العلّة أفقرت صاحبها، وغيّرت طباعه، وعقّدت نفسيته، وأسبغت على أيامه جوّاً من التشاؤم والحُزْن والتفكير بحاله وحال أسرته؛ وذلك لأنّ الصحة هي من المقوّمات الأساسية للحياة فحريّ بمن رُزِق حظّاً من التوفيق مراعاتها وحفظها وحمايتها عما يضرّها.


    ما يرشد إليه الحديث عباده، وأجزل عطاياه، وأوفر منحه، بل العافية المطلقة أجلّ النعم على الإطلاق، فهي مِنّة عظمى تلي نعمة الإيمان في الأهمية، فالقوي في جسمه والقوي في عقله وفكره أقدر على التعلّم والعمل، والسعي في مجالات الحياة المختلفة لعمارة الأرض، وإقامة الخلافة عليها.

    • اهتمام الإسلام بالصحة والفراغ.

    • بيان أهمية هاتين النعمتين.

    • بيان أنّ كثيراً من الخلق يظلم نفسه بالسهو عن أهمية هاتين النعمتين.


    الحديث السابع عباده، وأجزل عطاياه، وأوفر منحه، بل العافية المطلقة أجلّ النعم على الإطلاق، فهي مِنّة عظمى تلي نعمة الإيمان في الأهمية، فالقوي في جسمه والقوي في عقله وفكره أقدر على التعلّم والعمل، والسعي في مجالات الحياة المختلفة لعمارة الأرض، وإقامة الخلافة عليها.الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات

    • عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ "إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ"().


    شرح الحديث عباده، وأجزل عطاياه، وأوفر منحه، بل العافية المطلقة أجلّ النعم على الإطلاق، فهي مِنّة عظمى تلي نعمة الإيمان في الأهمية، فالقوي في جسمه والقوي في عقله وفكره أقدر على التعلّم والعمل، والسعي في مجالات الحياة المختلفة لعمارة الأرض، وإقامة الخلافة عليها.

    • أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحدث وكثرة فوائده، وأنّه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال جماعة من العلماء: (هو ثلث الإسلام، وإنّ الإسلام يدور عليه وعلى حديث: "الأعمال بالنيات"()، وحديث: "من حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه"()، وقال أبو داود السجستاني: (يدور الإسلام على أربعة أحاديث، هذه الثلاثة وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"()، وقيل: حديث: "ازهد في الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبّك الناس"()).


    ad