د. بسام حسن العف
Download
1 / 263

يقصد بالمعاملات المالية المعاصرة : - PowerPoint PPT Presentation


  • 431 Views
  • Uploaded on

يقصد بالمعاملات المالية المعاصرة :. القضايا المالية التي استحدثها الناس في العصر الحديث. القضايا التي تغير موجب الحكم فيها نتيجة التطور وتغير الظروف. القضايا التي تحمل اسماً جديداً. القضايا التي تتكون من عدة صور قديمة. بيان أحكام المعاملات المالية المعاصرة.

loader
I am the owner, or an agent authorized to act on behalf of the owner, of the copyrighted work described.
capcha
Download Presentation

PowerPoint Slideshow about ' يقصد بالمعاملات المالية المعاصرة :' - daquan-neal


An Image/Link below is provided (as is) to download presentation

Download Policy: Content on the Website is provided to you AS IS for your information and personal use and may not be sold / licensed / shared on other websites without getting consent from its author.While downloading, if for some reason you are not able to download a presentation, the publisher may have deleted the file from their server.


- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - E N D - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -
Presentation Transcript



يقصد بالمعاملات المالية المعاصرة:

  • القضايا المالية التي استحدثها الناس في العصر الحديث

  • القضايا التي تغير موجب الحكم فيها نتيجة التطور وتغير الظروف

د. بسام حسن العف

  • القضايا التي تحمل اسماً جديداً

  • القضايا التي تتكون من عدة صور قديمة


بيان أحكام المعاملات المالية المعاصرة

  • إذا ظهرت مسألة جديدة في هذا العصر وتحتاج إلى حكم شرعي فإن الذي يتصدى لبيان حكمها هم أهل التخصص من الفقهاء الذين يشترط فيهم ما يلي:

  • العلم بالقرآن الكريم، ومعرفة المكي والمدني، وآيات الأحكام وأسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمطلق والمقيد والخاص والعام وغير ذلك

د. بسام حسن العف

  • العلم بالسنة النبوية، فيعرف أحاديث الأحكام الصحيح منها والضعيف والجرح والتعديل، وغير ذلك

  • العلم بمواطن الإجماع، ومواطن الخلاف والاتفاق.

  • العلم باللغة العربية وأساليبها ودلالاتها..


تابع / المعاصرةبيان أحكام المعاملات المالية المعاصرة

  • معرفة مقاصد الشريعة؛ لفهم الحكم من تشريع الأحكام.

  • أن يكون عارفاً بقواعد أصول الفقه ليستنبط الأحكام من أدلتها التفصيلية.

  • أن يكون على معرفة بالواقع والظروف التي تحيط به؛ لأن الحكم على شيء فرع عن تصوره

  • أن يتصف بالعدالة بحيث يكون مأموناً وثقة في دينه

د. بسام حسن العف

  • أن يكون عند العالم الاستعداد الفطري للاجتهاد بأن يكون حسن الفهم، حاد الذكاء، فإذا تعلم الإنسان اللغة وعلومها وأوزان الشعر لا تجعله شاعر إذا لم يكن عنده الاستعداد الفطري وكذلك الحال في الاجتهاد.


خطوات بحث القضايا المعاصرة المعاصرة

1. التوجه إلى الله بنية صادقة وبالدعاء والذكر بأن يفتح الله عليه ويلهمه الصواب في هذه القضية المعاصرة

2. فهم القضية المعاصرة فهماً دقيقاً يمكن من إصدار الحكم بثقة كاملة؛ لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلا يجوز التسرع في إصدار الحكم على القضية المعاصرة قبل استيعاب موضوعها؛ ولتحقيق ذلك لابد من الآتي:

د. بسام حسن العف

أ. جمع كل المعلومات المتعلقة بموضوع القضية المعاصرة؛ فيعرف حقيقتها وأقسامها ونشأتها والظروف التي أحاطت بها وأسباب ظهورها

ب. الاتصال بأهل الاختصاص في موضوع القضية المعاصرة


تابع/ المعاصرةخطوات بحث القضايا المعاصرة

ج. تحليل القضية المركبة إلى عناصرها الأساسية التي تتكون منها، كما في بيع المرابحة للآمر بالشراء فإنها تحلل إلى بيع ووعد وبيع مرابحة

3. عرض القضية المعاصرة على النصوص الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع كما فعل الصحابة والتابعون رضي الله عنهم أجمعين؛ عملاً بقوله تعالى: ”يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر“.

د. بسام حسن العف


تابع/ المعاصرةخطوات بحث القضايا المعاصرة

4. عرض القضية المعاصرة على أقوال الصحابة واجتهاداتهم

5. عرض القضية المعاصرة على أقوال واجتهادات أئمة المذاهب الفقهية

6. عرض القضية المعاصرة على كتب الفتاوى الفقهية القديمة والمعاصرة؛ لاحتمال وجود نوازل شبيهة بها أفتى العلماء في حكمها كفتاوى ابن رشد والفتاوى الهندية

د. بسام حسن العف

7. عرض القضية المعاصرة على قرارات المجامع الفقهية والمؤتمرات والندوات والأيام الدراسية الفقهية المتخصصة


تابع/ المعاصرةخطوات بحث القضايا المعاصرة

8. البحث في الرسائل العلمية كرسائل الماجستير والدكتوراه وأبحاث الترقيات

9. إن لم يجد الفقيه حكم القضية المعاصرة فيما سبق من خطوات أعاد النظر فيها من حيث موضوعها وما يترتب عليها من مصالح ومفاسد مستخدماً في ذلك قواعد الترجيح الأصولية والفقهية ومقاصد الشريعة

د. بسام حسن العف


حكم الاجتهاد في المسائل الافتراضية المعاصرة

الاجتهاد المحرم وصوره:

1. الاجتهاد في مقابل النص القاطع

2. الاجتهاد في مقابل الإجماع الثابت بالتواتر

3. الاجتهاد من غير أهله سواء من المقلدين أو من لم يبلغوا درجة الاجتهاد

د. بسام حسن العف

4. الاجتهاد الذي هو نتيجة التشهي وطلب الشهرة والتعالي


تابع/ الافتراضية المعاصرةحكم الاجتهاد في المسائل الافتراضية المعاصرة

ما ينبغي مراعاته عند إصدار الحكم في المسائل الاجتهادية:

د. بسام حسن العف


د. بسام حسن العف الافتراضية المعاصرة


المطلب الأول الافتراضية المعاصرةمكانة حقوق الابتكار من نظرية الحق

د. بسام حسن العف

1. تعريف الحق لغة :

الحق لغة ضد الباطل، وهو مصدر حقَّ الشيء يحق إذا وجب وثبت، ومنه قوله تعالى: } لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ {، والحق من أسماء الله تعالى أو من صفاته، ويطلق الحق على العدل والإسلام والمال والملك والأمر الموجود الثابت، والحزم، والنصيب الواجب للفرد أو الجماعة.

يتضح من خلال التعريفات اللغوية لكلمة الحق أنها تدور حول معنى الوجوب والثبوت.


2. تعريف الافتراضية المعاصرةالحق عند الفقهاء:

د. بسام حسن العف

إن المتتبع لكلمة الحق عند الفقهاء لا يكاد يقف على تعريف جامع مانع بمعناه العام في الشرع، اعتماداً منهم على المعنى اللغوي لكلمة الحق، غير أن ابن نجيم ذكر تعريفاً يكتنفه الغموض فقال: "الحق ما يستحقه الرجل ".

فلفظ (ما) عام، يشمل الأعيان والمنافع والحقوق، كما أن الاستحقاق متوقف في معرفته على معرفة الحق، وهذا يتوقف على معرفة الاستحقاق، فيلزم الدور، وهو عيب في التعريف.

* وفي المنار: "الحق هـو الشيء الموجود مـن كل وجـه، ولا ريـب في وجوده“ وهذا التعريف للحق بالمعنى اللغوي كما سبق.

* ونقل الدريني عن شرح الكرماني للنجاري بأن "الحق حقيقة هو الله تعالى بجميع صفاته، لأنه الموجود حقيقة، بمعنى لم يسبق بعدم، ولم يلحقه عدم، وإطلاق الحق على غيره مجاز.

* ونقل ابن نجيم تعريفاً للحاوي المقدسي للحق بأنه"اختصاص حاجز" والاختصاص جوهر كل حق، وهو عبارة عن رابطة بين شخص وشيء، أو بين شخص وشخص تمنح صاحبها استئثاراً على موضوعها .


3. استعمالات الافتراضية المعاصرةالفقهاء للحق:

استعمل الفقهاء كلمة الحق في معانٍ عديدة ومواضع مختلفة، وكلها مأخوذ من المعنى اللغوي لكلمة الحق، منها :

أ. أطلق الفقهاء كلمة الحق بالمعنى العام الذي يشمل كل ما يثبت للشخص من ميزات، سواء أكان الثابت شيئاً مالياً أو غير مالي، فيقولون: حق الله وحق العبد.

ب. كما استعملوه في مقابل الأعيان والمنافع المملوكة، بمعنى المصالح الاعتبارية الشرعية التي لا وجود لها إلا باعتبار الشرع، كحق الشفعة وحق الطلاق، وحق الحضانة والولاية .

ج. وأحياناً يستعملون المعنى اللغوي فقط، كما في قولهم: حقوق الدار أي: مرافقها كحق التعلي وحق الشِرْب، وحق المسيل ونحو ذلك، لأن هذه الأشياء ثابتة للدار ولازمة لها.

وكل ما ورد من استعمالات الفقهاء لكلمة الحق يتبين منه أنها تدور حول المعنى اللغوي من الوجود والثبوت.

د. بسام حسن العف


4. تعريف الافتراضية المعاصرةالحق عند فقهاء المسلمين المعاصرين:

ذكر بعض فقهاء المسلمين المعاصرين تعريفات للحق منها:

أولا ً:الحق : "مصلحـة ثابتة للفرد أو للمجتمع أو لهما معاً، يقررها الشارع الحكيم".

أول ما يؤخذ على هذا التعريف أنه عرف الحق بغايته، فالحق بذاته ليس مصلحة، بل هو وسيلة إلى مصلحة، وتعريف الحق بالمصلحة خطأ شائع لدى كثير من العلماء، وكأنهم نظروا إلى ما يبتغى بالحق من مصلحة، فعرفوه بها.

ثانياً : وعرف بعضهم الحق بأنه" اختصاص يقرر به الشرع سلطة أو تكليفاً ".

وهذا التعريف يشمل أنواع الحقوق الدينية، كحق الله تعالى على عباده من صلاة وصيام ونحوهما، والحقوق المدنية كحق التملك، والحقوق الأدبية كحق الطاعة للوالد على ولده، وللزوج على زوجته، والحقوق العامة، كحق الدولة في ولاء الرعية لها، والحقوق المالية كحق النفقة، وغير المالية كحق الولاية على النفس.

د. بسام حسن العف


ثالثاً : الافتراضية المعاصرة وعرف بعضهم بأنه " اختصاص يقر به الشرع سلطة على شيء، أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقاً لمصلحة معينة ".

  • شرح التعريف:

  • قوله (اختصاص يقر به الشرع سلطة).

  • (اختصاص): الانفراد والاستئثار وهو جنس في التعريف يشمل جميع الحقوق؛ سواء كان لشخص حقيقي كالإنسان، أو معنوي كالدولة والوقف وغيرها من شخصيات اعتبارية، ويختص مستَحِقه بالانتفاع به ولا يملك أحد مزاحمته، وهو قيـد تخـرج الإبـاحات والحقـوق العامـة إذ لا اختصاص فيها.

  • (يقرر به الشرع): قيد يخرج الاختصاص الواقعي دون الشرعي كالغاصب والسـارق؛ فـهنا لا شرعية في اختصاصه.

د. بسام حسن العف


  • ( الافتراضية المعاصرةسلطة): والسلطة قرين لا ينفك عن الاختصاص إذ لا معنـى يتـحقق للاختصـاص إلا بتلك السلطة على ما اختص به، وتشمل سلطة شخص على شخص كحق الولاية على النفس، وسلطته على شيء معين كحق الملكية وغير ذلك.

  • (أو اقتضاء أداء): يقصد به ما يلزم فعله على جهة الإيجاب كقيام الأجير بعمله، أو ما يلزم فعله على جهة السلب كالامتناع عن الانتفاع بالمرهون.

  • (تحقيقاً لمصلحة معينة): قيد؛ إذ غاية الشرع هي تحقيق المصلحة، ومتى كان الحق وسيلة تتنافى مع غاية الحق كالإضرار بالآخرين بتحليل الربا، وإسقاط الزكاة، والاحتكار وغير ذلك انتزعت المشروعية عن هذا الاختصاص إذ فيه إضرار بالغير.

د. بسام حسن العف


  • مما سبق نلاحظ أن العلماء القدامى اعتمدوا في تعريفاتهم للحق على المعنى اللغوي للحق من حيث الوجوب والإثبات والمطابقة للواقع.

  • وأما العلماء المعاصرون تنوعت تعريفاتهم بين تعريف الحق بالغاية أو الحقيقة.

  • التعريف المختار:

  • إنني أميل إلى اختيار تعريف الدريني وهو " اختصاص يقر به الشرع سلطة على شيء، أو اقتضاء أداء من آخر تحقيقاً لمصلحة معينة"

  • وذلك للأسباب التالية:

د. بسام حسن العف


أولاً: اعتمدوا في تعريفاتهم للحق على المعنى اللغوي للحق من حيث الوجوب والإثبات والمطابقة للواقع. لأن هذا التعريف ميز فيه بين الحق وغايته، فالحق ليس هو المصلحة، بل هو وسيلة إليها، وهذا التعريف جامع يشمل حقوق الله، وحقوق الأشخاص الطبيعية والاعتبارية، بنوعيها: العينية والشخصية وشمل التعريف حقوق الأسرة، وحقوق المجتمع، وغيرها من الحقوق .

ثانياً: لأنه تعريف للحق في مفهومه الشرعي، وهو في أصله مقيد بغايته المحددة له شرعاً، ضمن الإطار التشريعي العام، كما أنه استبعد المصلحة من تعريف الحق، كما استبعد الإرادة، وبيّن جوهر الحق، وأنه علاقة شرعية اختصاصية.

ثالثاً: أنه لم يجعل الحماية الشرعية للحق عنصراً فيه، بل الحماية من مستلزمات وجود الحق.

ولهذا يكون تعريف الزرقاء والدريني من أفضل التعريفات للحق بالمعنى العام .

د. بسام حسن العف


تنقسم الحقوق الوضعية بالنظر إلى موضوعها

حقوقدولية

حقوق داخلية

عامة(حقوق الإنسان

مدنية(خاصة)

سياسية

د. بسام حسن العف

مالية

عائلية

معنوية

عينية

شخصية

22


5. أقسام الحقوق في القانون موضوعها:

تنقسم الحقوق في القوانين الوضعية بالنظر إلى موضوعها إلى :

حقوق دولية وإلى حقوق غير دولية – داخلية – وهذه الأخيرة تنقسم بدورها تقسيماً رئيساً إلى حقوق سياسية، وإلى حقوق عامة، وإلى حقوق مدنية:

أولاً : الحقوق الدولية:وهي السلطات التي يقررها القانون الدولي العام لأشخاصه لتمكينهم من نشاطهم في المجتمع الدولي، كحق السيادة الإقليمية المقرر للدولة على إقليمها أو حق السيادة الشخصية المقرر للدولة على رعاياها المقيمين فيها أو في الخارج، أو حق الحرب أو حق الالتجاء إلى الهيئات الدولية كمجلس الأمن أو محكمة العدل.

ثانياً : الحقوق السياسية أو الدستورية:وهي السلطات المقررة للأشخاص باعتبارهم أعضاء في هيئة سياسية والتي تمكنهم من الاشتراك في نظام الحكم، كحق الانتخاب، وحق الترشيح، وحق تولي الوظائف العامة.

د. بسام حسن العف


تابع/ أقسام الحقوق في القانون: موضوعها

ثالثاً : الحقوق العامة:وهي السلطات المقررة للأشخاص للمحافظة على الذات الآدمية، كحق الشخص في سلامة جسده وفي استقلال تفكيره، وفي حرية انتقاله، وفي حرمة مسكنه.

وقد سميت هذه الحقوق في القرن الثامن عشر بالحقوق الطبيعية أو بحقوق الإنسان.

رابعاً : الحقوق المدنية أو الخاصة: وهي السلطات المقررة في القانون الخاص للأشخاص والتي تمكنهم من إبداء نشاطهم في المحيط العائلي.

د. بسام حسن العف


والحقوق الخاصة ليست حقوقاً مقررة للمواطنين الأصليين فحسب، وإنما لجميع المواطنين الخاضعين للسيادة الشخصية للدولة، وهي تنقسم إلى حقوق عائلية و حقوق مالية :

أ. الحقوق العائلية أو حقوق الأسرة:وهي سلطات مقررة لشخص على آخر، يرتبط به برابطة الزواج أو القرابة أو المصاهرة وغير ذلك.

ب. الحقوق المالية: وهي التي يمكن تقويمها بالمال، وتنقسم إلى الحقوق الشخصية والعينية والمعنوية.

د. بسام حسن العف


1 للمواطنين الأصليين فحسب، وإنما لجميع المواطنين الخاضعين للسيادة الشخصية للدولة، وهي تنقسم إلى حقوق . الحقوق الشخصية:وهي سلطة مقررة لشخص على آخر، كدائن ومدين، وبمقتضاها يكون للأول أن يطالب الثاني بالقيام بعمل له قيمة مالية، كأن يقوم المدين بسداد الدين للدائن، أو أن يقوم المشتري بتسليم الثمن للبائع أو أن يقوم البائع بتسليم المبيع للمشتري، ويطلق على هذه الحقوق مصطلح الالتزامات.

2. الحقوق العينية:هي السلطة المباشرة المقررة لشخص على شيء معين بالذات، وهي تعطي صاحبها حق الانتفاع بالشيء واستغلاله دون وساطة أحد، كحق الملكية، أو حق الانتفاع، أو حق الرهن الرسمي.

3. الحقوق المعنوية: وهي محل بحثنا، وسنفصل فيها إن شاء الله تعالى.

د. بسام حسن العف


المطلب الثاني للمواطنين الأصليين فحسب، وإنما لجميع المواطنين الخاضعين للسيادة الشخصية للدولة، وهي تنقسم إلى حقوق حقيقة الحقوق المعنوية (حقوق الابتكار)

1. معنى الحقوق المعنوية " حقوق الابتكار " :

الحقوق المعنوية عند القانونيين: (هي سلطة لشخص على شيء غير مادي هو ثمرة فكره أو خياله أو نشاطه) كحق المؤلف في المصنفات العلمية والأدبية، وحق الفنان في المبتكرات الفنية، وحق المخترع في المخترعات الصناعية، وحق التاجر في الاسم التجاري والعلامة التجارية وثقة الزبائن.

ومعلوم أن أكثر هذه الحقوق حقوق ذهنية، والحقوق الذهنية هي حق المؤلف: (وهو ما اصطلح على تسميته بالملكية الأدبية والفنية) ، والحقوق المتعلقة بالرسالة العلمية، (وهي ما اصطلح على تسميتها بملكية الرسائل) وحق المخترع، (وهو ما اصطلح على تسميته بالملكية الصناعية) ، ويجمع ما بين هذه الحقوق جميعاً أنها حقوق ذهنية، فهي من نتاج الذهن وابتكاره.

د. بسام حسن العف


يقول علي محيي الدين القـره للمواطنين الأصليين فحسب، وإنما لجميع المواطنين الخاضعين للسيادة الشخصية للدولة، وهي تنقسم إلى حقوق داغي: حق الملكيـة الذهنيـة، والأدبيـة، والفنيـة يشمل:

د. بسام حسن العف


2 للمواطنين الأصليين فحسب، وإنما لجميع المواطنين الخاضعين للسيادة الشخصية للدولة، وهي تنقسم إلى حقوق . الألفاظ التي تطلق على الحقوق المعنوية :

أ. الملكية الأدبية والفنية والصناعية باعتبار أن الحق المعنوي الشخصي حق ملكية أو نوع خاص من الملكية على إنتاجه الذهني.

ب. الحقوق الذهنية، باعتبار أن جميع صور الحقوق المعنوية من النتاج الذهني.

ج. الحقوق التي ترد على أموال غير مادية، باعتبارها أنها تُعنى ببيان الخصائص الأساسية لهذه الحقوق في المجال المالي لإظهار الفارق بينها وبين الحقوق العينية والحقوق الشخصية.

د. الحقوق المتعلقة بالعملاء، وذلك نظراً إلى موضوع هذه الحقوق، وهي الأشياء التي تكون من إبداع الذهن أو القيمة التجارية، وأن هذين الأمرين تتجدد قيمتهما جميعاً بحسب ما يجتذب إليها من العملاء.

هـ. حقوق الابتكار، وهذا الاسم يشمل الحقوق الأدبية، كحق المؤلف والصحفي، والفنان، كما يشمل الحقوق الصناعية والتجارية (الملكية الصناعية) ومبتدع العلامة المميزة، ومبتكر العنوان التجاري.

د. بسام حسن العف


لذا رجح الزرقاء تسمية هذا النوع بـ "حقوق الابتكار"

ولعل هذا المصطلح فيه من الاتساع ما يشمل سائر الصور والجزئيات المطروحة في هذا البحث من حيث حق التأليف، وإبداع الصنعة ومدلول الماركة، وعموم ما يسمى بالاسم التجاري، وذلك لأن مصدر الحق في هذه الصور الجزئية وأمثالها، هو الجهد الإبداعي الذي استقل به شخص دون غيره، سواءً تعلق هذا الحق بمعانٍ ومدركات ذهنية مجردة، أو تعلق بمصنوع مادي أورث اهتماماً وفائدة للآخرين.

وقد أطلق الدريني أيضاً على الحقوق المعنوية " حق الابتكار " وعرفه بأنه: " الصور الفكرية التي تفتقت عنها الملكة الراسخة في نفس العالم أو الأديب ونحوه، مما يكون قد أبدعه هو، ولم يسبق إليه أحد ".

د. بسام حسن العف


3 النوع بـ "حقوق الابتكار". تحليل التعريف واستخلاص عناصره:

أ. الصور الفكرية: هي الإنتاج المبتكر وليس العين التي استقر فيها من كتاب ونحوه، لأن هذه العين مجلِّي لتلك الأفكار، ووسيلة لاستيفاء منفعة هذا الإنتاج، وتقديره من حيث النوعية والأثر، فالصور الذهنية لا تدرك بإحدى الحواس؛ بل بالعقل، لأنها صور معنوية مجردة، ومنافع عرضية.

ب. الإبداع: ويتسم بألا يكون تكراراً ولا محاكاة ولا انتحالاً لصور أخرى سابقة.

وينبغي أن يلاحظ هنا أن الإنتاج المبتكر لا يشترط فيه أن يكون متسماً كله بالابتكار والإبداع إذ لا بد في كل مبتكر ذهني من أن يكون مؤصلاً على ثقافة ساهـم في تكوينها ابتكارات سابقة، وتراث علمي، فيختلف الابتكار إذن نوعية وأثراً بمدى القدر المحدث فيه، وجودته، ومبلغ الجهد المبذول ومستواه، فالابتكار نسبي لا مطلق.

د. بسام حسن العف


تابع/ تحليل النوع بـ "حقوق الابتكار"التعريف واستخلاص عناصره:

هذا، والترجمة فيها جهد مبذول، لكن لا في أصل الصور الفكرية، لأنها للمؤلف في اللغة المنقول عنها، بل يتبدى الابتكار النسبي فيها، في دقة الفهم للمعاني المترجمة، وفي الأسلوب، والصنعة التي أبدعها المترجم في اللغة المنقولة إليها، وأفرغ فيها تلك المعاني، بحيث تكون انعكاساً وأثراً لملكته الذهنية التي قوامها قدرة بارعة على تفهم خصائص اللغة الأجنبية وأساليبها وفنونها في البيان واللغة المنقول إليها كذلك.

ج. الصور الفكرية الذهنية المبتكرة أثر للملكة الراسخة – والتي كانت نتاجاً للعالم في الميدان التجريبي، أو النظري أو الأدبي – وليست عينها، بل فرع عنها، وناتجة منها.

د. العالم والأديب ونحوه: تعميم يشمل سائر العلوم بأنواعها المختلفة، والآداب والعلوم الإنسانية.

وبعد كل هذا سنقتصر في الحديث عن " حقوق الابتكار" على حق التأليف وحق براءة الاختراع، وحق الاسم التجاري .

د. بسام حسن العف


المطلب الثالث النوع بـ "حقوق الابتكار"أنواع حقوق الابتكار وحكمها في الفقه الإسلامي

ثانياً: حق براءة الاختراع

د. بسام حسن العف

أولاً: حق التأليف

ثالثاً: حق الاسم التجاري


أولاً: حـق النوع بـ "حقوق الابتكار"التألـيـف

د. بسام حسن العف


د. بسام حسن العف النوع بـ "حقوق الابتكار"

1. معنى حق التأليف:

التأليف لغة: من ألَّفَ ويدل على انضمام الشيء إلى الشيء، وهو ضمُّ الأشياء الكثيرة بحيث يطلق عليها اسم الواحد.

التأليف اصطلاحاً: فالتأليف : (هو الكلام المدون الذي ينطوي على عمل إبداعي أياً كانت درجته من حيث الأهمية).

أما التأليف الذي يطلق في بعض الأحيان على النقل والتجميع المجرد ليس إبداعاً ولا يعد ابتكاراً.

2. حق التأليف في نظر الشريعة الإسلامية:

اختلف العلماء المعاصرون في مسألة حق التأليف في اعتباره حقاً يتطلب حماية، وبالتالي حل المقابل المالي لهذا الحق على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور العلماء المعاصرين ومنهم مصطفى الزرقاء، وفتحي الدريني، ووهبة الزحيلي، ومحمد سعيد البوطي وغيرهم إلى اعتباره حقاً يحل المقابل المالي له.


د. بسام حسن العف النوع بـ "حقوق الابتكار"

واستدلوا بعدة أدلة :

1. إن الإسلام حرم انتحال الرجل قولاً لغيره، أو إسناده إلى غير من صدر عنه، بل كان الإسلام قاضياً ولا يزال بنسبة الكلمة والفكرة إلى صاحبها... لينال هو دون غيره أجر ما قد تنطوي عليه من خير، أو يتحمل وزر ما قد تجره من شر.

فالمؤلف مسؤول عما يكتبه ويتلفظ به بدليل قوله تعالى:(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) فيكون للمؤلف الحق فيمـا أبدعـه مـن خير عملاً بقاعدة " الغرم بالغنم " بل ذهب الإمام أحمد في تحديد هذا الاختصاص وتفسيره مذهباً جعله يمنع الإقدام على الاستفادة بالنقل أو الكتابة عن مقال أو مؤلَّف عرف صاحبه، إلا بعد الاستئذان منه . فقد روى الغزالي أن الإمام أحمد بن حنبل سئل عمن سقطت منه ورقة كتب فيها أحاديث أو نحوها، أيجوز لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردّها؟ فقال: لا، بل يستأذن، ثم يكتب. والنقل دون استئذان إما أن يكون أخلاقياً أو اقتصادياً .

يقول البوطي :" وسواءً أكان مصدر هذا الحكم أخلاقياً مجرداً يتعلق بآداب التعامل والسلوك، أو اقتصادياً يتمثل في منفعة مالية متقومة، فإنه في كل الأحوال ينطوي على اختصاص ما، يعطي صاحبه حق التسلط على ما اختص به، وذلك هو معنى الحق. إذن، فالتأليف يورث صاحبه حقاً يتعلق بمحله الذي هو ثمرة جهده الفكري أو العلمي".


د. بسام حسن العف النوع بـ "حقوق الابتكار"

2. إن المنافع تعد من الأموال المتقومة في رأي جمهور الفقهاء غير الحنفية، لأن الأشياء أو الأعيان تقصد لمنافعها لا لذواتها، والغرض الأظهر من جميع الأموال هو منفعتها، بل إن متأخري الحنفية يعترفون بمالية المنافع في ثلاثة أشياء: المال الموقوف، ومال اليتيم، والمال المُعَدّ للاستغلال والمؤلف حينما يكتب كتابه ويطبعه يقصد به أمرين: نشر العلم، واستثمار مؤلَّفه، ويكون لكل طبعة من طبعات الكتاب حق خاص للمؤلف وورثته.

ولا شك أن الإنتاج الذهني أثر لمجهود عقلي شاق ومضنٍ، يبذله الإنسان الحي العاقل المفكر العالم، لتدبير الحياة الإنسانية الفاضلة وتقويمها، باعتباره مستخلفاً عن الله في الأرض، وهذا الإنتاج الذهني يمثل منفعة، فيعد مالاً تجوز المعاوضة عنه شرعاً .


3 النوع بـ "حقوق الابتكار". في الشريعة الإسلامية متسع لهذا التدبير تخريجاً على قاعدة المصالح المرسلة وذلك من ناحيتين :

د. بسام حسن العف

أ. من ناحية كونه ملكاً منصباً على مال، إذ المصلحة فيه خاصة عائدة إلى المؤلف أولاً وعلى غيره ثانياً، وهذا ظاهر في كونه حقاً مالياً. هذا فضلاً عما للمؤلف من مصلحة أدبية تتصل بشخصيته العلمية. ويظل هذا الحق خالصاً دائماً له ثم لورثته لقول النبي صلى الله عليه وسلم "... ومن ترك مالاً فلورثته ".

ب. وأن فيه مصلحة عامة مؤكدة راجعة إلى المجتمع الإنساني كله، وهو الانتفاع بما فيه من قيم فكرية ذات أثر بالغ في شتى شؤون الحياة، وهو بهذه المثابة حق من حقوق الله لشمول نفعه وعظيم خطره.

وعلى هذا فالمصلحة المرسلة بنوعيها، مرعية في الدين، تبنى عليها الأحكام، لأنها من مباني العدل والحق. فكل عمل فيه مصلحة غالبة أو دفع ضرر أو مفسدة يكون مطلوباً شرعاً.


د. بسام حسن العف النوع بـ "حقوق الابتكار"

4. العرف هو منشأ هذا الحق أيضاً، لأن إقرار الشارع للحق، إنما يكون بحكم، والحكم مستمد من مصادر الشريعة الإسلامية التي منها العرف. وهو ما يُرَى من جريان التعامل فيه على الصعيد العالمي، فضلاً عن العرف الإسلامي، والعرف هو أساس مالية الأشياء، بحيث أضحى محلاً للمعاوضة، كما قال السيوطي: " لا يقع اسم المال إلا على ما له قيمة، يباع بها وتلزم متلفه، وإن قلت، وما لا يطرحه الناس".

إذن فالعرف أقر التعويض عن حق التأليف؛ والثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي.


د. بسام حسن العف النوع بـ "حقوق الابتكار"

5. من سبق غيره في تصنيف أو تأليف كتاب فله الحق في طباعته ونشره وإخراجه إلى السوق من أجل اكتساب الأرباح، لأنه أحق من غيره بإنتاجه لانتفاعه بنفسه، ودليل ذلك ما أخرج أبو داود عن أسمر بن مضرس رضي الله عنه قال: " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته فقال: من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له " وإن كان العلامة المناوي رجح أن هذا الحديث وارد في سياق إحياء الموات، ولكنه نقل عن بعض العلماء أنه يشمل كل عين وبئر ومعدن، ومن سبق لشيء منها فهي له.

ولا شك أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، لما ثبت أن حق التأليف تُقرُّه الشريعة الإسلامية بفضل أسبقية تأليف هذا الشيء، فينطبق عليه ما ذكرنا في حق الأسبقية من أحكام.


القول الثاني: ذهب بعض العلماء المعاصرين و منهم أحمد الحجي الكردي إلى عدم حل أخذ المقابل المالي لحق التأليف، و استدلوا بعدة أدلة:

د. بسام حسن العف

1. إن الاعتراف بحق الطباعة لفرد واحد يسبب كتماناً للعلم، وحبساً للمصنف العلمي عن التداول والاستفادة بما ألفه قراءةً وتبليغاً، وأيضاً يؤدي إلى تضييق دائرة انتشار الكتاب، ولو كان لكل أحد حق في طبع الكتاب ونشره، لكان انتشاره أوسع، وإفادته أعم وأشمل.

والإسلام يدعو إلى كل ما فيه نفع للأمة، بل إن ما لا تستغني عنه الأمة يعتبر من فروض الكفاية التي تأثم الأمة جميعها بتركها، كما أن العلم، وخاصة العلم الشرعي، لا يحل كتمه لقوله تعالى: } إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاعِنُونَ {، وقوله الرسول صلي الله عليه وسلم: "من سُئِل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجامٍ من نار ".


د. بسام حسن العف المعاصرين و منهم أحمد الحجي الكردي إلى

2. إن العلم يعد من القربات والطاعات، وليس من قبيل التجارة أو الصناعة التي يقصد من ورائها الربح والكسب المالي، فالتأليف عبارة عن شعور بالواجب ورغبة في الثواب والأجر، بل كان المؤلف يحرص على نشره بكافة الطرق، لأن في ذلك مزيداً من الأجر والثواب دون مقابل مالي، وعلى الأمة بعد ذلك أن تكفي أمور معيشة المؤلف، كما كان الحال في السلف الصالح.

3. من باع كتاباً إلى آخر، فقد ملك المشتري ذلك الكتاب بجميع أجزائه، ويجوز للمشتري أن يتصرف فيه كيف شاء، فيجوز له أن يقوم بطباعته، وليس للبائع أن يحجر عليه.

4. قياس حق التأليف على حق الشفعة، من حيث كونه من الحقوق المجردة الذي لا يجوز الاعتياض عنهما، ومن ثم فلا يجوز للمؤلف أخذ مقابل مالي لهذا الحق.

5. إن الذي يطبع الكتاب المؤلَّف دون إذن من أصحابه، لا يسبب خسارة للمنتج أو المؤلف، وغاية ما في الأمر أنه يقلل من ربح المنتج أو المؤلف، وقلة الربح شيء والخسارة شيء آخر.


القول الراجح: المعاصرين و منهم أحمد الحجي الكردي إلى

د. بسام حسن العف

والذي أراه راجحاً ما ذهب إليه القائلون بأن حق التأليف يعتد بـه شرعاً، وأنـه مصون فلا يجوز الاعتداء عليـه، ويجوز الاعتياض عنه، ويحل المقابل المالي لهذا الحق، لأن الشريعة الإسلامية تعترف بحقوق المؤلف وترفض الضرر بالغير، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضرار".

(1) أما ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من أن الاعتراف بحق التأليف لشخص واحد يسبب كتماناً للعلم، وحبساً للمصنف العلمي عن التداول، الذي دل الحديث الشريف على تحريمه لزوماً من التهديد والوعيد عليه، فلا ينقض ما تأصل في التشريع الإسلامي من حق الملك في كل ثمرات الجهد الإنساني لصاحبه، والمال جهد مجسد والله تعالى يقول: }وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ { ويقول: }وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ { والشيء أعم من أن يكون مادةً أو معنىً.


د. بسام حسن العف المعاصرين و منهم أحمد الحجي الكردي إلى

هذا وكتمان العلم كاحتكار المنافع والخبرات والسلع، حيث يخفيها أربابها تغالياُ في أثمانها، والناس بحاجة ماسة إليها، ولم يقل أحد: إن حرمة الاحتكار تستلزم شرعاً بذل المادة المحتكرة مجاناً ودون عوض، وبالسلع قوام الأبدان، وبالفكر قوام الأرواح والعقول، بل قوام المدنية والحضارة وعمارة الكون. بل على العكس من ذلك، فقد أوجب الفقهاء إجماعاً أن يكون البيع بأثمان معقولة تحفظ الحق للفريقين دون وكس ولا شطط.


د. بسام حسن العف المعاصرين و منهم أحمد الحجي الكردي إلى

(2) أما ما قيل من أن المؤلف الذي ينشر العلم يعد عمله قربة وطاعة وليس من قبيل الربح والكسب والتجارة، والقربة لا يجوز أخذ أجرة على أدائها، فغير مسلم، لأن المتأخرين من فقهاء المذهب الحنفي أفتوا بجواز أخذ الأجرة على فعل بعض الطاعات كالإمامة والأذان وتعليم القرآن، مع أن الأصل المقرر في المذهب أنه لا يجوز الاستئجار على فعل الطاعة، لكنهم خالفوا المقرر في أصل المذهب استناداً إلى القاعدة الشرعية (لا ينكر اختلاف الأحكام بتغير الأزمان)، لأن همم الناس في العصر الحاضر انحطت عن همم المسلمين في صدر الإسلام، ولو لم يُعْطَ القائمون على هذه الوظائف أجراً لما قام أكثرهم بها، مما يؤدي إلى ضياع القرآن وتعطيل شعائر الدين.


د. بسام حسن العف المعاصرين و منهم أحمد الحجي الكردي إلى

(3) وأما قولهم بأن من باع كتاباً إلى آخر، فيجوز للمشتري أن يتصرف فيه كيف شاء من طباعة وغير ذلك، فلا يجوز؛ لأن التصرف في الشيء شيء، وإنتاج مثله شيء آخر، وإن الذي يملكه المشتري بشراء الكتاب هو الأول، فيجوز له أن يتصرف في الكتاب بما شاء من قراءة وانتفاع وبيع وإعارة وهبة وما إلى ذلك من التصرفات الأخرى، وأما طباعة مثل هذا الكتاب، فليس من منافع المبيع، ولا يستلزم ملكه ملكاً لحق الطباعة، وهذا مثل الفلوس المَسكوكة من قبل الحكومة، إذا اشتراها رجل جاز له أن يتصرف فيها ما شاء من بيع وهبة وعارية واستبدال وما إلى ذلك من التصرفات الفردية، ولكن لا يجوز له بحكم هذا الشراء أن يسك فلوساً على منواله، فظهر بهذا أن ملك الشيء لا يستلزم حق المالك في إنتاج مثله.


د. بسام حسن العف المعاصرين و منهم أحمد الحجي الكردي إلى

(4) وأما قياس حق المؤلف على حق الشفعة، فقياس مع الفارق، لأن حق الشفعة من الحقوق التي أثبتها الشرع لأصحابها لأجل دفع الضرر عنهم، وهذا الحق لا يجوز الاعتياض عنه بمال، لأنه ثبت لدفع الضرر، وما ثبت لدفع الضرر لا يصح الصلح عنه، فعندما يرضى صاحب الحق أن يتنازل عن حقه يظهر أنه لا يتضرر، فلا يستحق شيئاً، أما حق التأليف لم يثبت للمؤلف دفعاً للضرر عنه، إنما ثبت له ابتداءً، فلم يوجد الكتاب إلا بجهد مؤلفه وتعبه ومعاناته، فحقه في الكتاب حق أصيل ثابت يجوز له الاعتياض عنه بالمال، خاصة بعد أن أصبح الاعتياض عن حق المؤلف بالمال أمراً شائعاً وعرفاً عاماً في جميع البلاد.


د. بسام حسن العف المعاصرين و منهم أحمد الحجي الكردي إلى

(5) وأما الادعاء بأن طباعة الكتاب دون إذن من مؤلفه لا يسبب خسارة بل يقلل الربح فقط، فيمكن الجواب عنه بأن قلة الربح وإن لم تكن خسارة، ولكنها ضرر، وبين الخسارة والضرر فرق واضح، ولا شك أن الذي تحمل المتاعب والمشاق الجسيمة والفكرية وبذل الأموال الجمة والأوقات الغالية في إيجاد شيء أو تأليف كتاب، وسهر من أجل ذلك ليالي، وتنازل عن الراحة، أحق بالاسترباح بما ابتكره من الرجل الذي اشتراه بمال بسيط في لحظة واحدة، ثم جعل يسد السوق أمام المبتكر الأول. يقال في شأن الكتاب يقال أيضاً في شأن اللوحة الفنية ( خط، رسم،… الخ ) أو الشريط المسموع أو المرئي أو البرامج العلمية التي تم إدخالها على رقائق الكمبيوتر (CD)، كما يمكن أن يقال أيضاً في شأن الابتكار الصناعي الذي سنبحثه في الفرع التالي إن شاء الله تعالى


د. بسام حسن العف المعاصرين و منهم أحمد الحجي الكردي إلى

فالذي يشتري لوحة فنية إنما يمتلك هذه (اللوحة) ولا يملك (العمل الفني) الذي ظهر من خلالها، وما ذكر في شأن الكتابة يمكن أن يطبق على اللوحة الفنية بتمامه .

والذي يشتري برنامجاً علمياً في ديسك أو رقائق (CD)الحاسوب إنما يمتلك هذه الرقائق، ولم يمتلك المادة العلمية المودعة فيها، التي تظهر من خلال جهاز الحاسوب، ومـن ثم فإنه لا يملك حـق استثمار هذه المادة العلميـة لنفسه ولا لغيره.


بهذا يتبين أن حق التأليف معتبر شرعـاً، ويجوز الاعتيـاض عنـه، لأنه من آكد المصالح وأقواها أثراً وأعمها نفعاً وقد قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقـد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1-6 جمادى الأولى 1409هـ/10-15 كانون الأول (ديسمبر) 1988م ما يلي:

د. بسام حسن العف

1- الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية والتأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها. وهذه الحقوق يعتد بها شرعاً ولا يجوز الاعتداء عليها.

2- حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها ولا يجوز الاعتداء عليها.


ثانياً: شرعـاً، ويجوز الاعتيـاض عنـه، لأنه من حقبراءةالاختراع

د. بسام حسن العف


1. تعريف براءة الاختراع: شرعـاً، ويجوز الاعتيـاض عنـه، لأنه من

د. بسام حسن العف

براءة الاختراع مركب إضافي يتكون من براءة و اختراع، فلا بد من تعريف كل منهما، ثم بيان معنى المركب الإضافي باعتباره مصطلحاً.

أ. البراءة لغةً:الخلق، يقال: برأ الله الخلق، خلقهم فهو بارئ و تأتي بمعنى التباعد من الشيء و التخلي عنه، ومن ذلك البرء إذا شفي المريض و تخلص مما به.

ب. الاختراع لغةً: من خِِرع الشيء خَرعاً واختراعاً، شقَّه وأنشأه وارتجله و أبدعه، فالإختراعشئ لم يكن موجود.

ت. براءة الاختراع اصطلاحاً:

هي الشهادة أو السند الذي يبين ويحدد الاختراع ويرسم أوصافه ويمنح جائزة الحماية المرسومة له قانوناً، والحق القاصر على المخترع في استغلاله.

أو هي وثيقة تمنح من دائرة رسمية، أو من مكتب عامل باسم مجموعة من الأقطار بناء على طلب ذلك، ويترتب على هذه الشهادة الرسمية حق مَنْ منحت له في استخدام الاختراع، المعين فيها وأعماله والتنازل عنه بالبيع واستيراده.


أو هي:" شرعـاً، ويجوز الاعتيـاض عنـه، لأنه من سند رسمي عام تمنحه سلطة إدارية مختصة لمن يطلبه بشروط شكلية وموضوعية معينة، وتتضمن البراءة وصفاً للاختراع، ويترتب على منحها لمستحقيها وخلفائه لمدة معينة حق قاصر حاجز تحميه عن التقليد والغش، وهذا الحق هو عبارة عن الترخيص باستغلال الاختراع الذي تغطيه البراءة ما لم يصدر بخلاف ذلك حكم قضائي".

هذه البراءة تمنح المخترع عدة حقوق منها:1. حق استغلال المخترع لإختراعه واستغلال الورثة له بعد وفاته بمدة معينه تقدرها قوانين البراءة بحيث يسقط هذا الحق بعدها، ويصبح من جملة الثروة العامة.2. حق المخترع في أن ينسب الاختراع إليه من البراءة التي تصدر باسم صاحب العمل.

د. بسام حسن العف

إذن و من خلال التعريف يتضح أن الطبيعة القانونية لبراءة الاختراع أنه منحة يمنحها القانون للمخترع و ليست عقداً بين طرفين.


2. أنواع البراءات : شرعـاً، ويجوز الاعتيـاض عنـه، لأنه من

د. بسام حسن العف

تنقسم البراءات تقسيمات متنوعة بتنوع مضمونها و مداها إلى ما يلي:

1. البراءة الحقة الكاملة.

2. نماذج أو شهادات المنفعة، وهي ضرب من البراءات الصغرى، تمنح عند توفر شروط ميسرة، و يترتب عليها حقوق محددة، أدنى من الحقوق التي تمنحها البراءة الكاملة.

3. براءة الإضافة أو شهادة الإضافة أو العلاوة وتمنح عادة عن تحسين الاختراع الذي سبق منح البراءة عنه فيه.

4. براءة الاستيراد، وتمنح لمن يستخدم لأول مرة في بلد ما اكتشافاً تحقق في بلد أجنبي، ويلاحظ أن هذا الضرب من البراءات لا يحمي اختراعاً، ولكنه يعوض مبادرة صناعية، وقد ندر هذا الضرب من البراءات في عصرنا.


ننن شرعـاً، ويجوز الاعتيـاض عنـه، لأنه من

د. بسام حسن العف

3. حق براءة الاختراع في نظر الشريعة الإسلامية:

في الشرع الإسلامي متسع لهذا الحق تخريجاً على قاعدة "المصالح المرسلة" في ميدان الحقوق الخاصة، ووجه المصلحة من إقرار هذه الحقوق وحمايتها إنما هو تشجيع الاختراع، كي يعلم من يبذل جهده فيه أنه سيختص باستثماره، وسيكون محمياً من الذين يحاولون أن يأخذوا ثمرة ابتكاره وتفكيره ويزاحموه في استغلالها.


دليل العرف العام شرعـاً، ويجوز الاعتيـاض عنـه، لأنه من

  • أن هذه الشهادة المكتوبة في دفاتر الحكومة والتي تمنح للمخترع أو المكتشف ومن خلالها يتمتع بعدة حقوق منها الانتفاع بها ومنها بيع هذا الحق، فهو يمثل منفعة مشروعة أصبحت في العرف العام مالاً متقوماً، والعرف يعد مصدراً من مصادر التشريع إذا انتفى كونه معطلاً لنص أو مناقضاً لأصل شرعي ولم يوجد في مسألة براءة الاختراع ما ينبئ عن الحكم فيها من كتاب أو سنة أو إجماع، كما أن العرف العام له دخل كبير في تمويل الأشياء وقد اصطلح على ماليته فيلتحق بالأموال من ثم يأتي القول بحل الاعتياض عنه

د. بسام حسن العف


أدلة أخرى شرعـاً، ويجوز الاعتيـاض عنـه، لأنه من

  • أن الحصول على هذه الشهادة يتطلب كلاً من الجهد أو الوقت والمال ويمنح حاملها صفة قانونية تمثلها الشهادة المكتوبة ويتمتع من خلالها بالانتفاع بنفسه أو بالاستغلال صارت حقاً ثابتاً له أصالة ومن ثم يحل له الاعتياض عنه بالمال.

  • يمكن تخريجها على مسألة جواز أخذ العوض عن حق الأسبقية وهو من الحقوق العرقية والمقصود به "حق التملك أو الاختصاص" الذي يحصل للإنسان بسبب سبق يده إلى شيء مباح كحق التملك بالإحياء بعد التحجير- تحديد الأرض بعلامات ظاهرة-، وقد أجازه بعض الشافعية والحنابلة بناء على جواز بيع حق الاختصاص.

د. بسام حسن العف


حكم تحديد المدة شرعـاً، ويجوز الاعتيـاض عنـه، لأنه من

  • بالنسبة لتحديد المدة في براءة الاختراع، فإن الشريعة الإسلامية لا تشترط التأبيد لتحقيق معنى الملك، لأن طبيعة ملك المنفعة مثلاً تقتضي أن يكون مؤقتاً كما في ملك منفعة العين المستأجرة، فعدم اشتراط الشريعة التأبيد لتحقيق معنى الملك يجعل تحديد المدة في مسألة براءة الاختراع جائزاً شرعاً

د. بسام حسن العف


قرار مجلس مجمع الفقه بشأن براءة الاختراع

  • وقد قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1-6 جمادى الأولى 1409هـ/ 10-15 كانون الأول (ديسمبر) 1988، عدة قرارات منها :

  • • حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها.

د. بسام حسن العف


نموذوج لسند براءة اختراع الاختراع

د. بسام حسن العف


نموذوج لسند براءة اختراع الاختراع

د. بسام حسن العف


نماذج لسند براءة اختراع الاختراع

د. بسام حسن العف


بعض الاختراعات: الاختراع

د. بسام حسن العف


بعض الاختراعات: الاختراع

د. بسام حسن العف


ثالثاً: حق الاسم التجاري الاختراع

د. بسام حسن العف


1. تعريف الاسم التجاري : الاختراع

د. بسام حسن العف

الاسم التجاري مركب إضافي من اسم وتجاري، فلا بد من تعريف كل منهما ثم بيانه اصطلاحاً :

الاسم لغة: من السمو وهو العلو والرفعة، والاسم: ما يعرف به الشيء ويستدل به عليه.

تعريف التجاري: نسبة إلى التجارة، وهي تقليب المال لغرض الربح، أو التعامل في الأسواق بيعاً وشراءً للربح.

الاسم التجاري اصطلاحاً:

هو الاسم الذي يتخذ لقباً على محل تجاري بقطع النظر عما فيه من الأصناف.

فالاسم التجاري "ما يتخذه التاجر لمحله التجاري لتميزه عن غيره من المحال الأخرى" وذلك ليسهل التعرف عليها من قبل عملائها الذي يفضلونها وعدم الخلط بينها وبين غيرها .

أما الشعار الذي يتخذ عنواناً لبضاعة ما ذات صناعة متميزة وهذا ما يطلق عليه "الماركة "


2. مضامين الاسم التجاري : الاختراع

د. بسام حسن العف

الاسم التجاري يمكن أن يستعمل في التعبير عن أحد المضامين الثلاثة التالية:

المضمون الأول : الشعار التجاري أو العلامة التجارية للسلعة وهو "الماركة ":

الشعـار التجاري للسلعـة أو العلامـة التجاريـة، وهو ما قد يسمى اليوم بـ "الماركة" المسجلة، وهي كل إشارة توسم بها البضائع والسلع والمنتجات، إذ يصبح هذا الشعار تعبيراً عن الصنف المتميز عن غيره في كثير من الخصائص والسمات أو عما يماثلها من سلع تاجر آخر أو منتجات أرباب الصناعات الآخرين.

وقد عرف نظام المعاملات التجارية السعودية في مادته الأولى العلامة التجارية بما يلي: "تعتبر علامة تجارية في تطبيق أحكام هذا النظام الأسماء المتخذة شكلاً مميزاً، والإمضاءات، والكلمات والحروف، والأرقام والرسوم، والرموز والأختام، والنقوش البارزة، وأية إشارة أخرى، أوأي مجموع منها تكون صالحة لتمييز منتجات صناعية، أو تجارية، أو حرفية، أو زراعية … ".


نماذج للعلامات التجارية“ الماركة“

د. بسام حسن العف

ة


نماذج للعلامات التجارية“ الماركة“

د. بسام حسن العف

ة


3. وظائف العلامة التجارية أو الشعار التجاري:

د. بسام حسن العف

من وظائف العلامة التجارية "الماركة" ما يلي:

أ. تمييز البضاعة والسلعة بالعلامة عما يماثلها من البضائع والسلع الأخرى.

ب. جذب العملاء والمستهلكين إليها، ومعرفتهم بخصائص البضاعة المعلمة بها.

ت. تيسير الرقابة على المنافسة وضمان المشروع منها، إذ تمكن من معرفة مصدر البضاعة المعروضة في الأسواق وأسعارها.

ث. تيسير اكتشاف الاعتداء على التجار وأرباب الصناعات بجذب زبائنهم بطريقة الخديعـة والخلابة واستخدام علامات لا حق لهم في وسم البضاعة المعروضة للبيع بها.

4. الفرق بين الاسم التجاري والعلامة التجارية:

مما سبق يتبين لنا أن الفرق بين الاسم التجاري والعلامة التجارية: أن الأخيرة تستخدم لتمييز المنتجات، أما الاسم التجاري فيستخدم لتمييز المنشأة التجارية عن غيرها.


المضمون الثاني: العنوان التجاري أو الشهرة التجارية :

د. بسام حسن العف

هو الاسم الذي غدا عنواناً على محل تجاري نال شهرةً مع الزمن، بحيث تتجسد هذه الشهرة في الاسم المعلن عليه، وقد يكون هذا الاسم هـو اسم التاجر ذاته أو لقبه، وقد يكون اسماً أو وصفاً اصطلاحياً لقب به المحل.


المضمون الثالث: الوصف أو الموقع للمحل التجاري :

د. بسام حسن العف

الوصف الذي يتمتع به المحل التجاري بحد ذاته، أي من حيث الموقع والمكان، لا من حيث جهد التاجر أو شهرة المحل، ويطلق على هذا الوصف ما يسمى اليوم " بالخلو".

فأما الحديث عن الوصف أو الموقع للمحل التجاري، فليس داخلاً فيما نحن بصدده، وأما المضمون الأول والثاني، فهما اللذان يمكن أن يراد بالاسم التجاري في هذا البحث.


د. بسام حسن العف للمحل التجاري :


5. حق الاسم التجاري في نظر الشريعة الإسلامية:

د. بسام حسن العف

إن بيع الاسم التجاري في الأعراف السائدة اليوم أمر جائز فقهاً، لأنه أصبح مالاً، وذا قيمة مالية، ودلالة تجارية معينة، يحقق رواج الشيء الذي يحمل الاسم التجاري، والذي منح صاحبه ترخيصاً بممارسة العمل، وهو مملوك لصاحبه، والملك يفيد الاختصاص أو الاستبداد أو التمكن من الانتفاع بالشيء المملوك، والعلاقة بين الشخص واسمه التجاري علاقة حق عيني، إذ هي علاقة اختصاصية ومباشرة، ومستند كون الاسم التجاري متمولاً هو العرف المستند إلى مصلحة معتبرة شرعية تتضمن جلب المنفعة ودفع المضرة، ولا يصادم ذلك نصاً شرعياً.

وهذا ينطبق على كل إنتاج فكري أدبي أو فني أو صناعي. لما له من قيمة مالية بين الناس عرفاً، وخصائص الملك شرعاً تثبت فيه وهي الاختصاص الذي هو جوهر حق الملكية، والمنع، أي منع الغير من الاعتداء عليه إلا بإذن صاحبه وجريان التعامل فيه والمعاوضة عنه عرفاً.


يقول محمد توفيق البوطي : الإسلامية:

د. بسام حسن العف

والاسم التجاري الذي سجله صاحبه ليميز منشآته التجارية ومنتجاتها، حق مالي تتحقق بحمايته والمحافظة على صحة نسبته لصاحبه مصلحة شرعية تتمثل فيما يلي:

أ. أنه منفعة شرعية اجتهد صاحبها في تحصيلها، بما وفر لإنتاج منشأته من إتقان صنعة وخبرة فانتفع هو بها إذ أقبل الناس على صنعته وإنتاجه، وانتفع الناس أيضاً، إذ قدم لهم ما يبتغونه بصورة حسنة.

ب. أن هذا الاسم عندما صار عَلَمَاً على هذه المنشأة يميز منتجاتها، فقد غدا إطلاقه من قبل الآخرين على منتجاتهم تغريراً للناس وتدليساً عليهم، لأن هذا الاسم لدى الناس ولدى الجهات المختصة بعد تسجيل الاسم التجاري بصورة رسمية، يدل على منتجات لجهة معروفة ومن نوعية متميزة. وإطلاق هذا الاسم على غيرها تدليس وغرر، والغرر مطعن في الإرادة العقدية كما عرفنا.

ج. أن صاحب هذه المنشأة قد بذل التكاليف المادية لتسجيل هذا الاسم، ليكتسب الاعتبار الرسمي، ولشهر هذا الاسم بإعلانه بوسائل الدعاية المختلفة، وهو غدا في هذا العصر ذا أهمية لا يستهان بها لأسباب كثيرة وواضحة.


ويرى محمد تقي العثماني.. الإسلامية:أن الاسم التجاري أو العلامة التجارية بعد التسجيل الحكومي بمثابة إحراز لهذا الاسم، له قيمة بالغة في عرف التجار، ولا مانع من بيعها وشرائها،ولكن بشرطين:

د. بسام حسن العف

(أ)أن يكون الاسم أو العلامة مسجلة عند الحكومة بصفة قانونية، لأن ما ليس بمسجل لا يعدُّ مالاً في عرف التجار.

(ب)أن لا يستلزم هذا البيع الالتباس أو الخديعة في حق المستهلكين، وذلك بأن يقع الإعلان من قبل المشتري أن منتج هذه البضاعة غير المنتج السابق، وإنما يستعمل هذا الاسم أو العلامة بعد شرائهما بنية أنه سيحاول بقدر الإمكان أن يكون إنتاجه بمستوى الإنتاج السابق أو أحسن منه.

أما بغير هذا الإعلان فإن انتقال الاسم أو العلامة إلى منتج آخر يسبب اللبس والخديعة للمستهلكين، وهما حرام شرعاً.

كما شبه العثماني الاسم التجاري بعد إحرازه بالتسجيل مثل القوة الكهربائية أو الغاز التي لم تكن في الأزمان السابقة تعد من الأموال والأعيان المتقومة.


د. بسام حسن العف الإسلامية:

وقد قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة المؤتمر الخامس بالكويت من1-6 جمادى الأول1409ه/10-15 كانون الأول (ديسمبر)1988م ما يلي:

أولاً: الاسم التجاري، والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعاً، فلا يجوز الاعتداء عليها.

ثانياً: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية، ونقل أيٍّ منها بعوض مالي إذا انتفى الغرر والتدليس والغش باعتبار أن ذلك أصبح حقاً مالياً.


د. بسام حسن العف الإسلامية:


إن موضوع "بدل الخلو" من الموضوعات المهمة جداً في الحياة المعاصرة، وهو يتطلب إبداء الحكم الشرعي فيه، بسبب إباحته في أعراف الناس، ومنعه في بعض القوانين الوضعية.وهذا يقتضينا بيان حقيقة بدل الخلو، ومدى حله أو حرمته، وشروط الحل، وحالات الحرمة، وتعيين آخذ البدل.

بدل الخلو عند العلماء المعاصرين

د. بسام حسن العف


1.حقيقة بدل الخلو المهمة جداً في الحياة المعاصرة، وهو يتطلب إبداء الحكم الشرعي فيه، بسبب إباحته في أعراف الناس، ومنعه في بعض القوانين الوضعية.

د. بسام حسن العف

1. تعريف الخلو:

- الخلو لغةً : مصدر خلا، وهي كلمة مأخوذة من قول العرب: أخليت المكان، جعلته خالياً، ويقال أيضاً: خلا الإناء مما فيه خلواً، أي فرغ. ويجمع على خلوات بفتحات.

- أما الخلو في اصطلاح الفقهاء المعاصرين فيُعرف بعدة تعريفات، منها:

أ. عرفه وهبة الزحيلي بأنه: " مبلغ من المال يدفعه الشخص نظير تنازل المنتفع بعقار أرض أو دار أو محل أو حانوت عن حقه في الانتفاع به".

ب. وعرفه مشهور سلمان بأنه " تنازل مالك المنفعة عن ملكيته لها مقابل مال زائد عن الأجرة".

ت. وعرفه محمد قلعجي بأنه: " تنازل المرء عن الحق بعوض ".


2. أسباب الخلو : المهمة جداً في الحياة المعاصرة، وهو يتطلب إبداء الحكم الشرعي فيه، بسبب إباحته في أعراف الناس، ومنعه في بعض القوانين الوضعية.

د. بسام حسن العف

أسباب وجود بدل الخلو ترجع إلى ما يلي:

أ . شهرة المحل التجاري، وما يكسبه من سمعة طيبة وإقبال الزبائن عليه.

ب. قيمة الموقع الذي يوجد فيه العقار، وما يحققه من ارتفاع في الأسعار.

ت. تعارف الناس عليه، بسبب حاجة المالك إلى المال ليبني به العقار الذي يملكه، فيأخذ من الراغب في الإيجار بدل خلو مقدماً ليتمكن من البناء.

ث. وجود قوانين تعطي المستأجر حق البقاء في العين المؤجرة مع تجميد الأجرة.


3. صور الخلو: المهمة جداً في الحياة المعاصرة، وهو يتطلب إبداء الحكم الشرعي فيه، بسبب إباحته في أعراف الناس، ومنعه في بعض القوانين الوضعية.توجد للخلو في العصر الحاضر عدة حالات:

د. بسام حسن العف

الحالة الأولى: أخذ المالك بدل الخلو من المستأجر: أي أن يأخذ المالك من المستأجر مبلغا من المال بالإضافة إلى الأجرة السنوية أو الشهرية، فهذه الصورة هي المعتادة ...فالمالك يشرع في بناء عقار مملوك له مكون من محلات تجارية ومكاتب أو شقق سكنية، وعند اتمام البناية بالكامل يقوم بتأجيرها ويتقاضى بدل الخلو من المستأجر للمحل التجاري زيادة عن الأجرة المتفق عليها في عقد الإيجار

الحالة الثانية: أخذ المستأجر بدل الخلو من المالك:أي أن يأخذ المستأجر من المالك مبلغا من المال لفسخ عقد الإيجار ضمن مدة العقد وتسليم المأجور إلى صاحبه... وهذه الصورة كثيرا ما تحدث في اجارات المنازل والمحلات التجارية فالمالك يريد منزله لتزويج ولد من أولاده أو يريد المحل التجاري فيطلب من المستأجر تفريغ العين المأجرة فيأبى التاجر من تفريغ هذه العين إلا إذا دفع له مبلغا من المال.

الحالة الثالثة: أخذ المستأجر بدل الخلو من مستأجر آخر: أن يأخذ المستأجر من مستأجر آخر مبلغا من المال مقابل اخلائه العين المأجرة.

وفي هذه الصورة يقوم المستأجر الأصلي بدور المؤجر بالنسبة للعين المؤجرة ويتنازل عن اجارتها للشخص الآخر مقابل مبلغ من المال بحسب الإتفاق.


4. موقف الشريعة الإسلامية من بدل الخلو :

د. بسام حسن العف

إن للخَلَوَات حالاتٍ وصوراً وأسباباً مختلفة تجعل الحكم يختلف باختلافها، وفيما يلي موقف الشريعة الإسلامية من هذه الحالات:

أولاً- حكم الحالة الأولى من بدل الخلو :

الحالة الأولى من بدل الخلو في العصر الحاضر هي: أخذ المالك من المستأجر مقداراً من المال إضافة للأجرة الشهرية أو السنوية.

ويختلف سبب ذلك باختلاف البلاد والظروف والأحوال ويمكن تحديد أسباب بدل الخلو في ثلاثة أسباب:

السبب الأول: قيمة الموقع الذي يوجد فيه العقار، أو شهرة المحل التجاري، وما يكسبه من سمعة طيبة بسبب المالك نفسه الذي اجتهد وعمل على إيجاد تلك الشهرة، فطلب مقابل ذلك، فهذا يدخل في حقوق الابتكار، وقد تحدثنا فيه سابقاً، وبيّنا جواز أخذ العوض عنه.


د. بسام حسن العف الخلو :

السبب الثاني:أن يكون المالك محتاجاً إلى مال يبني به أرضه، أو مال يستعجل الحصول عليه، فيأخذ المالك من الراغبين في الاستئجار، بالإضافة إلى الأجرة السنوية أو الشهرية، إذا تراضيا على ذلك، وقام المالك بعدها بتسليم العقار للمستأجر، مؤثراً إياه على غيره من المستأجرين، ويُعد المأخوذ من المستأجر جزءاً معجلاً من الأجرة المشروطة في العقد، وتكون الأجور التي تدفع في المستقبل سنوياً أو شهرياً جزءاً آخر من الأجرة مؤجل الوفاء، مضافاً إلى ما تم تعجيله، مثل اتفاق الزوجين في العصر الحاضر على قسمة المهر إلى معجل ومؤجل، عملاً بالعرف العام السائد في البلاد الإسلامية.

وهذا النوع أفتى به متأخرو المالكية، وبعض الحنفية وأجازوه بشروط معينة، وكيفوه على أنه بيع جزء من المنفعة مجرداً، وصورة ذلك في الوقت الحاضر أنه شخصاً بنى عمارة ولم يكملها، فعرض المصرف الإسلامي على المالك أن يكملها ويستأجرها لمدة معينة بنصف قيمة الأجرة الحالية، كأن تكون أجرتها ألف دينار في السنة، فيدفع خمسمائة دينار، فهذا جائز، ويعتبر هذا الخلو من ملك المنفعة، حيث ينتفع بنفسه ويؤجر ويهب ويعير ويورث عنه أيضا.


د. بسام حسن العف الخلو :

السبب الثالث: وجود قوانين وضعية أو أنظمة معينة تَحُدُّ من حق المالك في إيجار عقاره بأجرة المثل، بل تلزمه بتسعيرةٍ إجبارية، أو تحدُّ من حقه في إخلاء الساكن عند نهاية المدة التي جرى عليها التعاقد في عقد الإيجار، ليتعاقد مع ساكن جديد، أو مع الساكن الأول نفسه بكامل حريةِ كلٍّ من الطرفين، أي على أساس المساومة الحرة، وهي الأصل في عقود المعاوضات.

فإذا وجدت مثل هذه الأنظمة أو القوانين، فربما تغيّر سعر أجرة المثل للعقار، ويكون غالباً بارتفاع السعر بسبب ارتفاع نسبة التضخم النقدي للعملات الورقية، فبدأ أصحاب الأملاك يحسبون هذا الحساب عند ابتداء الإجارة، وطلبوا بدل الخلوات من المستأجرين، ليحصلوا على قسم ذي أهمية من النفقات التي تكبدوها عند إنشاء العقارات.

وفي حالة التسعيرات الإجبارية لأجور العقار، إن كان التسعير بأقل من أجرة المثل، يحتال أصحاب العقارات بأخذ بدل الخلو لتغطية قسم من التكلفة، وقد يكون ذلك خفية عن أنظار السلطات.


د. بسام حسن العف الخلو :

أما عن حكم هذا النوع فلا يجوز التسعير بأقل من أجرة المثل بالنسبة للتسعيرة الإجبارية، تحقيقاً للعدالة بين الطرفين، فإن زادت ينبغي زيادة أجرة العقار تبعاً لذلك، وفي جميع الأحوال لا ينبغي الحد من حرية المالك في إخلاء العقار من المستأجر عند نهاية المدة التعاقدية، وحيث اقتضت الظروف في بعض الأحوال مدَّ الإجارة بقوة القانون لا ينبغي أن يكون الامتداد بأقل من أجرة المثل، ويجب تعديل الأجرة باستمرار، لتلحق بمقدار أجرة المثل في وقتها، لأن في ذلك ظلماً للمالك من جهتين :

الأولـى: نقص الأجرة المستحقة.

والثانية: أن قيمة العقار تتأثر بمقدار الأجرة، فلو كانت أجرة المثل مائة دينار مثلاً لعقار قيمته عشرة آلاف، فإنه إن أُلزِم المالك بأجرة مقدارها خمسون ديناراً فقط، فإن المالك لو أراد البيع لا يستطيع بيع عقاره بأكثر من خمسة آلاف أو ستة، وفي ذلك ظلم له.

فلو التُزِمَ بتعديل الأجرة دائماً في الأحوال الإلزامية لتصل إلى أجرة المثل تنعدم الحاجة إلى هذا النوع من بدل الخلو.


د. بسام حسن العف الخلو :

ومع ذلك ففي ظل الأوضاع الحالية في بعض البلاد الإسلامية التي تحد من حرية المالك على الوجه المشروع،فما حكم أخذه بدل الخلو لتمكين المستأجر من السكن؟ وما حكم بذل المستأجر لذلك البدل؟ وماذا يستتبع ذلك من التصرفات؟.

الجواب:يظهر أن المالك لا حرج عليه شرعاً في الأخذ، لأن العقار خالِصُ ماله، وله أن يتصرف فيه كما يشاء، ومن ذلك أن لا يأذن لأحد بدخوله إلا بعوض، والعوض هنا يجوز أن لا يحتسب من الأجرة، بل يكون جُعْلاً لا غير.

وقال البعض: إنه لا يحِلُّ إلا إذا احْتُسِبَ من الأجرة، فتكون أجرة السنة الأولى مثلاً خمسة آلاف دينار، وأجرة كل سنة من السنوات اللاحقة ألف دينار لا غير، وتكون أربعة الآلاف الزائدة في أجرة السنة الأولى هي بدل الخلو.

وقد صدرت عن لجنة الفتوى الشرعية بالكويت، بتاريخ 25/10/ 1982م فتيا نصها: " اتفقت اللجنة على أن الاستعاضة عن الخلو برفع القيمة الإيجارية أمر جائز، ويجري على البدل كل أحكام الأجرة، بحيث لو فسخ العقد يسترد المبلغ المقدم الذي يخص الفترة.

ويرى محمد سليمان الأشقر أن هذا غير لازم، بل لو اعتُبِر جُعْلاً لمجرد التمكين من الاستئجار، لجاز، وكذلك دافع بدل الخلو إلى المالك يَحِلُّ له الدفع ولا حرج عليه.


ثانيًا: حكم الحالة الثانية من الخلو:

د. بسام حسن العف

الحالة الثانية من الخلو في العصر الحاضر هي: أخذ المستأجر بدل الخلو من المالك المؤجر مقابل إخلاء العين المؤجرة،

وترجع أسباب ذلك إلى الأمور التالية :

أ. أن يكون الخلو قد استحقه المستأجر بطريقة شرعية، كأن يكون قد أنشأه بالاتفاق بينه وبين مالك العين، بأن اشترى جزءاً من المنفعة كما بينا في السبب (ب) من الحالة الأولى، أو دفع مبلغاً من المال للمالك أو لمستأجر آخر قبله للحصول على حق القرار .

فإن كان الأمر كذلك، فرغب المالك في استعادة العقار، وإخراج المستأجر منه، ودفع مقابل ذلك لصاحب الخلو بدلاً مالياً، فرضي صاحب الخلو، جاز للمالك الدفع وجاز لصاحب الخلو الأخذ لأنه بيع صحيح، وسواء أكان ذلك بمثل الخلو الذي كان المستأجر الأول قد ملك به الخلو، أو كان أقل أو أكثر، ما دام قد بقي من المدة المتفق عليها لدوام الخلو جزء له قيمة، ولا إشكال في ذلك .


د. بسام حسن العف الخلو:

ب. أن يكون المستأجر لا يزال في مدة التعاقد الأصلية، فللمستأجر أن يتمسك بالعقد، ويرفض إخلاء المكان إلا ببدل يرضاه، يأخذه من المالك، لأن ذلك البدل هو في الحقيقة ثمن بيعِ باقي المدة المتفق عليها، ولا حرج عليهما في ذلك، كما لو اشترى رجل من آخر خمسة رؤوس من الغنم، فاستهلك منها أربعة، وأراد البائع أن يستعيد الرأس الخامس بالشراء، فلصاحبـه أن لا يبيعه إلا بأضعاف ثمنه الذي كان قد اشترى به .

ت. أن يكون المستأجر قد استفاد حق القرار في العقـار بوضع قانوني صِرْف، لم تأت به الشريعة الإسلامية، بأن يكون استمرار بقائه في العقار رغماً عن المالك وبغير رضاه، مع انتهاء المدة الأصلية للتعاقد، وهو ما يسمى (الامتداد القانوني)، ولم يكن المالك قد أخذ منه بدل خلو عند إنشاء عقد الإيجار، ويرغب المالك في استعادة العقار، ويتراضى هو والمستأجر على مبلغ ماليّ، قد يسميه بعض العامـة ( خلوّاً ). وقد ينضم إلى هذا السبب أيضاً التسعير الإجباري من الجهة المسؤولة، ويكون السعر أقل من أجر المثل.


د. بسام حسن العف الخلو:

وهذا النوع من الخلوات فيه احتمالان :

الاحتمال الأول: أن يقال إنه غير مشروع فيه أخذ بدل الخلو، لأن القانون الذي يلزم بالامتداد بغير اختيار المالك، أو بالتسعير الإجباري قانون غير مقبول شرعاً في حالات السَّعة، وأما في حالات الاضطرار فيجوز بأجر المثل، ولا يجوز بأقلَّ منه.

ووجه عدم مشروعية بدل الخلو في هذه الصورة بالنسبة لآخذه أنه لو كان للمالك، بعد انتهاء المدة التعاقدية، أن يخلي المكان من المستأجر، ويؤجره لغيره بكامل حريته، - وهو الوضع الذي كفله له الشرع – ما كان على المالك أن يدفع شيئاً أصلاً.

الاحتمال الثاني: أن يقال إنه كان مبنياً على قانون صدر بأمر السلطان، وكان للسلطان أن يقيد بعض التصرفات في ضمن اجتهاده في تحصيل المصلحة، ولو أخطأ كان ما ينبني عليه جائزاً، ويحل للآخذ ما أخذه.


د. بسام حسن العف الخلو:

ورجح محمد سليمان الأشقر الاحتمال الأول، فقال: "والاحتمال الأول عندي أرجح، والعمل عليه أوثق، وأما الاحتمال الثاني فإنه مبني على اجتهاد فاسد الاعتبار " وذلك بسبب مخالفة هذا الاحتمال للنصوص الشرعية الصحيحة، من مثل قوله تعالى: }وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ{ وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" ومخالفته للقواعد الشرعية المتفق عليها، من مثل " المالك أحق بالتصرف في ملكه"، وهذا يحد من الحركة العمرانية، إذ يتقاعس أصحاب الاقتدار عن إنشاء العمران الجديد، فتقل المساكن، ويعود الأمر بالضرر على المالكين وعلى المحتاجين إلى الاستئجار أيضاً.


ثالثاً: حكم الحالة الثالثة من الخلو :

د. بسام حسن العف

الحالة الثالثة من الخلو في العصر الحاضر هي : أخذ المستأجر بدل الخلو من مستأجر آخر مقابل إخلائه العين المؤجرة، وهذه هي الحالة الغالبة المثيرة للنزاع، وترجع أسباب ذلك إلى الأمور التالية:

السبب الأول:أن يكون المستأجر الأول قد حقق للمحل سمعة طيبة، بسبب المجتهد نفسه الذي اجتهد وعمل على إيجاد تلك الشهرة، فطلب مقابل ذلك، فيجوز ذلك الخلو، كما تحدثنا سابقاً في حقوق الابتكار، وبيّنا جواز أخذ العوض عنه.

السبب الثاني:أن يكون المستأجر الأول قد ملك منفعة الخلو بطريقة شرعية، بأن يكون قد تعاقد عليه مع المالك تعاقداً صحيحاً، أو اشتراه من المالك شراءً صحيحاً على ما تقدم في الحالة الأولى، فله أن يبيعه لغيره بما شاء من المال قلَّ أو كثر، ما دام شيء من مدة الخلو باقياً، ويحل لآخذ البدل ما أخذ، لأنه ملك منفعة الخلو بالتعاقد الشرعي، فله أن يبيعها لمن شاء، وتجوز له فيها سائر التصرفات الشرعية.

السبب الثالث: أن لا يكون للمستأجر في المكان خلو صحيح، ولكن لا يزال له في عقد الإجارة بينه وبين المالك جزء من مدة التعاقد الأصلية التي أجراها المالك بكامل حريته دون تسعيرة إجبارية، ولا ضمن امتداد قانوني.


د. بسام حسن العف الخلو :

فإن أخذ من مستأجر آخر مالاً مقابل إخلائه المحل له ليحل مكانه، فهذا البدل المالي الذي يسمى لدى العامة ( خلواً ) هو مشروع للآخذ والمعطي على السواء، لأنه في حقيقته بيع للمدة الباقية من المنفعة المستحقة بعقد الإجارة.

السبب الرابع: أن يكون المستأجر الأول ليس له في المحل خلو صحيح في العين المؤجرة على ما تبين في المسألة السابقة (ت)، وقد انتهت مدته التعاقدية، ولكنه استأجر المحل من مستأجر قبله مقابل مبلغ من المال دفعه إليه، فلا يحل لهذا المستأجر أخذ بدل الخلو، لأنه ليس له من حقه في منفعة الخلو بعد أن انتهت المدة، وقد انتفع بما دفعه في المدة السابقة. فلا يأخذ بدلاً عن المدة التي تلي انتهاء مدة العقد، ويرجع العقار إلى المالك ليتصرف فيه بما شاء.


وأخيراً قرر مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكـة العربيـة السعوديـة مـن 18-23 جمادى الآخرة 1408هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988م، وبعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص ( بدل الخلو)ما يلي :أولاً : تنقسم صور الاتفاق على بدل الخلو إلى أربع صور، هي:

د. بسام حسن العف

أ. أن يكون الاتفاق بين مالك العقار وبين المستأجر عند بدء العقد.

ب. أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين المالك، وذلك في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.

ت. أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين مستأجر جديد، في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.

ث. أن يكون الاتفاق بين المستأجر الجديد وبين كل من المالك والمستأجر الأول قبل انتهاء المدة، أو بعد انتهائها.

ثانياً: إذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغاً مقطوعاً زائداً عن الأجرة الدورية (وهو ما يسمى في بعض البلاد خلواً)، فلا مانع شرعاً من دفع هذا المبلغ المقطوع على أن يعد جزءاً من أجرة المدة المتفق عليها، وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة.


د. بسام حسن العف المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكـة العربيـة السعوديـة مـن 18-23 جمادى الآخرة 1408هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988م، وبعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص ( بدل الخلو)

ثالثاً: إذا تم الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك للمستأجر مبلغاً مقابل تخليه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً، لأنه تعويض عن تنازل المستأجـر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.

أما إذا انقضت مدة الإجارة، ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمناً عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له، فلا يحل بدل الخلو، لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.

رابعاً: إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول والمستأجر الجديد أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً، مع مراعاة مقتضى عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول، ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.

على أنه في الإجارات الطويلة المدة خلافاً لنص عقد الإجارة طبقاً لما تسوغه بعض القوانين لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر، ولا أخذ بدل الخلو فيها إلا بموافقة المالك.

أما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة فلا يحل بدل الخلو، لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين.


نظام التأمين المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكـة العربيـة السعوديـة مـن 18-23 جمادى الآخرة 1408هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988م، وبعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص ( بدل الخلو)

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: حقيقة نظام التأمين .

المبحث الثاني: حقيقة التأمين التجاري .

المبحث الثالث: عقد التأمين التجاري في نظر الفقهاء المعاصرين .


المبحث المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكـة العربيـة السعوديـة مـن 18-23 جمادى الآخرة 1408هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988م، وبعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص ( بدل الخلو)الأول: حقيقة نظام التأمين

(1) تعريف التأمين :

التأمين لغة: من الأمن، وهو ضد الخوف، وأصله طمأنينة النفس وزوال الخوف، يقال: أمَّنه تأميناً، وائتمنه، واستأمنه، وكلها بمعنى واحد. ومنه قوله تعالى: } رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا{وقوله جلَّ شأنه:

} مَا لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ{.

التأمين عند فقهاء القانون:

يميز علماء القانون بين نظام التأمين باعتباره فكرة وطريقة ذات أثر اقتصادي واجتماعي تركز على نظرية عامة ذات قواعد فنية، وبين عقد التأمين باعتباره تصرفاً قانونياً ينشئ حقوقاً بين طرفين متعاقدين، وتطبيقاً عملياً لذلك النظام.فنظام التأمين يمكن تعريفه، وفقاً لنظريته العامة في نظر علماء القانون، بأنه:

د. بسام حسن العف


"نظام تعاقدي يقوم على أساس المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكـة العربيـة السعوديـة مـن 18-23 جمادى الآخرة 1408هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988م، وبعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص ( بدل الخلو)المعاوضة، غايته التعاون على ترميم أضرار المخاطر الطارئة بواسطة هيئات منظمة تزاول عقوده بصورة فنية قائمة على أسس وقواعد إحصائية ”.

وبهذا نرى أن هناك فرقاً بين نظام التأمين أو نظريته، وبين عقد التأمين الذي يبرم على أرض الواقع، ولذا عرفت التأمين باعتباره فكرة ونظاماً في المبحث الأول، وسأعرف عقد التأمين باعتباره الصيغة القانونية لتحقيق التعاون الذي يهدف إليه نظام التأمين في المبحث الثاني إن شاء الله تعالى.

د. بسام حسن العف


(2) أقسام التأمين: المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكـة العربيـة السعوديـة مـن 18-23 جمادى الآخرة 1408هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988م، وبعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص ( بدل الخلو)

ينقسم التأمين من حيث المؤسسات أو الهيئات التي تقوم به إلى ثلاثة أقسام، وهي:

أولاً: التأمين الاجتماعي أو التعاوني:

وهو تأمين تقوم به الدولة، لمصلحة العمال والموظفين، ويقصد به تأمين هؤلاء من إصابات العمل، ومن المرض والعجز والشيخوخة، ويساهم في حصيلته الموظفون وأصحاب الأعمال والدولة، وقد تستعين الدولة في تنظيم هذا التأمين وإدارته ببعض مؤسساتها أو هيئاتها العامة، كمؤسسات التأمينات والمعاشات ويشمل ما يلي:

1.نظام التأمينات والمعاشات والمكافآتالتي تُعطَي للعاملين عند انتهاء الخدمة أو تركها، ويقوم بتنظيم ذلك وتوضيح شروطه قانون التأمينات والمعاشات للدولة

2. نظام الضمان الاجتماعي، ويتناول ما يلي:

أ. تأمين إصابات العمل:والغرض منه رعاية العامل في حال إصابته بأحد الأمراض المهنية، أو بحادث أثناء قيامه بعمله أو بسببه، وتتولى المؤسسة أو الهيئة المختصة علاج المصاب، والإنفاق عليه في هذا السبيل، وإعطائه معونة مالية مدة تخلفه عن العمل .

د. بسام حسن العف


ب. التأمين الصحي: المنعقد في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكـة العربيـة السعوديـة مـن 18-23 جمادى الآخرة 1408هـ، الموافق 6-11 فبراير 1988م، وبعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص ( بدل الخلو)ويستوجب علاج الموظف أو العامل والقيام بنفقات هذا العلاج، وذلك عندما يمرض، سواءً في العمل أو خارجه.

ت. التأمين ضد البطالة:ويستوجب أن يصرف للعامل تعويض مدة بطالته يوازي جانباً من مرتبه الذي دفع الاشتراك على أساسه، ويصرف له ذلك القدر دورياً.

ث. التأمين ضد الشيخوخة والعجز والوفاة: وبه يستحق المستأمن معاشاً عند بلوغه سن التقاعد أو عند إصابته بعجز كلي، كما يستحق ورثته معاشاً عند الوفاة .

وتكفل الدولة كل هذه الأنواع من التأمين للموظفين والعاملين نظير استقطاع مبالغ من مرتب كل موظف أو عامل لكل نوع من هذه الأنواع طبقاً للشروط التي يحددها القانون، لكي تتمكن الدولة من تحقيق هذا النوع من التأمين.

ثانياً : التأمين التبادلي :

تقوم به جمعيات تعاونية خيرية، تتكون من أعضاء يجمع بينهم تماثل الأخطار التي يتعرضون لها، ويتفقون جميعاً على تعويض من يتحقق الخطر بالنسبة إليه منهم، في سنة معينة، من الاشتراك الذي يؤديه كل عضو، ومن ثم يكون الاشتراك متغيراً يزيد وينقص بحسب قيمة التعويضات التي تدفعها الجمعية خلال السنة، ويدفع العضو الاشتراك في البداية مقداراً معيناً، وفي نهاية السنة تحسب قيمة التعويضات التي دفعت لمن تضرر بوقوع الخطر من الأعضاء، فإذا كان المقدار الذي دفعه العضو أقل من الواجب لزمه إكماله، وإن كان أكثر رُدَّ إليه ما زاد.


والذي يميز جمعيات التأمين التبادلية، سواءً كانت جمعيات تبادلية أو جمعيات ذات شكل تبادلي، عن الشركات المساهمة أن الأولى لا تعمل للربح، فليس لها رأس مال، وليس فيها مساهمون يتقاضون أرباحاً على أسهمهم، ويكونون هم المؤمنين، ويكون الزبائن هم المؤمن لهم، بل إن أعضاء جمعيات التأمين التبادلية يتبادلون التأمين فيما بينهم، إذ يؤمن بعضهم بعضاً فهم في وقت واحد مؤمنون ومؤمن لهم، ومن هنا وصفت هذه الجمعيات بأنها تبادلية.

وقد ظهر هذا التأمين في عدة صور منها:

أ . الجمعيات التي تنشأ بين أفراد المحلة السكنية الواحدة.

ب. الجمعيات التي تنشأ بين أفراد المهنة أو الحرفة أو الصناعة الواحدة.

فهؤلاء أفراد الجمعيات التي تنشأ بين أفراد المهنة الواحدة أو المحلة السكنية يتفقون فيما بينهم على إنشاء نظام يقال له صندوق أو نحو ذلك، ويشترك في هذا النظام من أراد – والإقبال جماعي عادة – ويسهم كل مشترك بمبلغ يتفق عليه، فمن وقع له مكروه على شخصه أو أسرته أو ماله فإن حصيلة هذا الصندوق كاملة تدفع إلى المتضرر، إذ نصت المشارطة على ذلك.

وواضح أن هذا النظام التعاوني يصدر عن نزعة إنسانية، وفكرة الاستغلال مستبعدة منه، فإن المستأمنين من الأخطار هم أنفسهم المؤمنون الذين يدفعون التعويض عن الخطر أو الضرر عند حدوثه.

د. بسام حسن العف


حكم التأمين التعاوني والتبادلي: التبادلية، سواءً كانت جمعيات تبادلية أو جمعيات ذات شكل تبادلي، عن الشركات المساهمة أن الأولى لا تعمل للربح، فليس لها رأس مال، وليس فيها مساهمون يتقاضون أرباحاً على أسهمهم، ويكونون هم المؤمنين، ويكون الزبائن هم المؤمن لهم، بل إن أعضاء جمعيات التأمين التبادلية يتبادلون التأمين فيما بينهم، إذ يؤمن بعضهم بعضاً فهم في وقت واحد مؤمنون ومؤمن لهم، ومن هنا وصفت هذه الجمعيات بأنها تبادلية.

إن هذا النوع من التأمين بصوره السابقة جائز شرعاً بلا خلاف أو أية شبهة، مهما كان نوع الخطر المؤمن منه، لأنه يقوم على أساس إنشاء صندوق تعاوني مشترك بين جماعة يكتتبون فيه لجبر أضرار من تصيبه منهم مصيبة معينة، فهي بلا ريب جمعية تعاونية لا تهدف إلى ربح ما، وإنما هدفها ترميم آثار المصائب التي تنزل ببعضهم، وهي بلا شك من أجمل صور التطبيق العملي لمبدأ

التعاون على البر الذي أشاد به القرآن العظيم، لقوله تعالى: } وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ {وقوله صلى الله عليه وسلم: " ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى عضوٌ تداعى له سائر جسده بالسهر والحُمَّى ".ولخلوه من شبهتي الغرر والربا.

ثالثاً: التأمين التجاري (ذو القسط الثابت) :

وتقوم به شركات التأمين التجارية المساهمة، وهو ما سنتتحدث عنه في مبحثين:

في بيان حقيقته، وفي حكمه الشرعي.


المبحث التبادلية، سواءً كانت جمعيات تبادلية أو جمعيات ذات شكل تبادلي، عن الشركات المساهمة أن الأولى لا تعمل للربح، فليس لها رأس مال، وليس فيها مساهمون يتقاضون أرباحاً على أسهمهم، ويكونون هم المؤمنين، ويكون الزبائن هم المؤمن لهم، بل إن أعضاء جمعيات التأمين التبادلية يتبادلون التأمين فيما بينهم، إذ يؤمن بعضهم بعضاً فهم في وقت واحد مؤمنون ومؤمن لهم، ومن هنا وصفت هذه الجمعيات بأنها تبادلية. الثاني: حقيقة التأمين التجاري

1. نشأة التأمين التجاري:

لم يكن التأمين وليد العصر الحاضر، ولا هو من المستحدثات التي لم يكن لها تاريخ في الماضي، بل هو موجود من زمن بعيد، وإن لم يكن معروفاً بنظمه الحاضرة، فكل شيء في هذه الحياة معرض للخطر، والإنسان مدفوع بدافع خفي من غريزته إلى تفادي الخطر، وبذل أقصى ما يمكن في سبيل إبعاد الخطر عنه وعن ممتلكاته، فقديماً اتخذ الكهوف والجبال ملجأ يلوذ به من عوارض الحياة المؤذية، وتسلح بالحجارة وأغصان الأشجار وغير ذلك مما يدفع به عادية الحيوانات المفترسة، وبمرور الزمن وكثرة الحوادث والواقعات، وتبادل الناس في الخبرات والمعارف، كل ذلك أوجد في النفوس قلقاً واضطراباً، ولذا فقد التف الإنسان حول أسرته ليقوى بها على الآخرين، ثم ما لبث أن شعر بأن الأسرة أصبحت عاجزة عن أن تحقق له الأمان الذي ينشده، ومن هنا تكونت القبيلة، ومنها حقق الإنسان بعض الأمان، ونتيجة لتعدد الأخطار وتنوعها، وانسلاخ كثير من القبائل عن أصولها، ووقوع الخلاف والانشقاق فيها، ضعفت عن أداء مهمتها، مما دفع الإنسان إلى اللجوء إلى الدولة لتدفع عنه اعتداءات الآخرين، وتحقق له الأمان الذي تطمئن له النفس.

د. بسام حسن العف


وذكر رجال التأمين أن الإغريق كان عندهم مثل هذه المعاملة، فقد قامت جماعة من ملاك العبيد برفع أقساط معينة عن عبيدهم إلى الجمعيات التي كانت قد أنشئت لهذا الغرض في مقابل أن تدفع الجمعية لهم ثمن العبد لو هرب من سيده.

كما أسس الرومان جمعيات تعاونية لنقل الموتى، والغرض من تأسيس هذه الجمعيات هو أن تقوم بدفع مصاريف الجنازة كلها في مقابل أن يدفع كل عضو مبلغاً من المال كل أسبوع، وهذه الجمعيات لم تزل موجودة إلى الآن في إنجلترا.

كما يذكر رجال التأمين أن التأمين البحري هو من أقدم أنواع التامين، والشعوب القديمة كالبابليين والفينيقيين والهنود والرومان والإغريق عرفوا ذلك، فقانون حمورابي 2250ق.م. كان يشير إلى القرض الذي اعتبره الباحثون فكرة تأمينية، ويقولون إنه ورد في تلمود بابل في القرن السادس بعد الميلاد ما يشير إلى فكرة التأمين، ونص عبارتهم: (لا يستطيع البحارة أن يتفقوا فيما بينهم على أنه إذا فقد أحدهم سفينته فتشيد له سفينة أخرى، فإذا فقد أحدهم سفينته نتيجة خطئه فلا يحق له المطالبة بغيرها، وإذا فقد البحار سفينته نتيجة ذهابه بها إلى مسافة لا تذهب إليها السفن عادة فلا يحق له المطالبة بأن تشيد له سفينة أخرى

د. بسام حسن العف


وقد كان بعض رجال الأموال يقرضون أصحاب السفن أموالاً تعادل قيمة السفينة وحمولتها في مقابل فوائد باهظة، فلو غرقت السفينة ضاع على المُقْرِضِ مبلغ القرض وفوائده، واحتفظ صاحب السفينة بمبلغ القرض وفوائده، ولو وصلت السفينة سليمة ردَّ صاحبها القرض مع الفوائد للمقترض نظراً لتحمله جميع مخاطر الرحلة.

ويرى أكثر رجال التأمين أن أقدم عقد في التأمين البحري ظهر في إيطاليا عام 1347م ولم يكن يختلف عن طريقة القرض البحري، وقد ساعد على انتشاره الإيطاليون الذين هاجروا من بلادهم، واستقروا في بعض بلدان أوروبا كفرنسا وإسبانيا وبلجيكا، ثم عرفت إنجلترا وهولندا وألمانيا تقاليد التأمين البحري من تلك الدول وبخاصة بلجيكا، وقد ظل التأمين البحري خاضعاً للتقاليد العرفية، فلم توضع له التشريعات إلا في القرن الخامس عشر، وكان الأسبان والبرتغاليون أول من أصدروا تشريعات خاصة لهذا النوع من التأمين، ومن أشهر هذه التشريعات أوامر برشلونة الأربعة التي صدرت في السنوات 1436-1458-1461-1484 ميلادية، وفي عام 1601م صدر أول قانون إنجليزي خاص بالتأمين البحري.

وإذا كان التأمين على السفينة وحمولتها عرف في تلك الحقبة من الزمن، فهذا يعني أن التأمين على الحياة صار جنباً إلى جنب مع التأمين البحري، فملاحو السفينة وركابها يُعْتَبَرون أيضاً ضمن حمولتها.


أما التأمين البري بمختلف أنواعه فيقولون: إنه قد تأخر ظهوره عن التأمين البحري، فلم يظهر إلا في القرن السابع عشر عندما تعرضت مدينة لندن لحريق استمر أربعة أيام، وذلك في عام 1666م، غير أنه في بعض البلدان الأخرى لم يظهر إلا في القرن الثامن عشر.

ونتيجة لاختلاف ظروف الحياة بظهور كثير من الصناعات، واكتشاف كثير من الاختراعات، فقد ظهرت أنواع جديدة من التأمين، وهي كثيرة ومتنوعة تربو على المائة.

أما في البلاد العربية فيقولون إن التأمين ظهر في أواخر القرن التاسع عشر عن طريق الشركات الإيطالية والشركات البريطانية، وأخذت كثير من الشركات تحذو حذو هاتين الشركتين، وتكاثرت المؤسسات التأمينية تبعاً لذلك، بل إن بعضاً من الدول العربية قامت بتبني هذه المعاملة التأمينية والإشراف عليها مباشرة وسنّ قوانين وأنظمة لها، ولم تقف عند هذا الحد، بل جعلته إجباراً في بعض أنواعه.

د. بسام حسن العف


مفهوم عقد فيقولون: إنه قد تأخر ظهوره عن التأمين البحري، فلم يظهر إلا في القرن السابع عشر عندما تعرضت مدينة لندن لحريق استمر أربعة أيام، وذلك في عام 1666م، غير أنه في بعض البلدان الأخرى لم يظهر إلا في القرن الثامن عشر.التأمين التجاري

د. بسام حسن العف


عرف علماء القانون الوضعي عقد التأمين بتعاريف مختلفة تبعاً لاختلاف وجهات نظرهم.

من هذه التعاريف ما قاله بعضهم: " هو عقد يتعهد بمقتضاه شخص يُسمَّى المؤمِّن بأن يعوِّض شخصاً آخر يُسمَّى المؤمَّن له عن خسارة احتمالية يتعَّرض لها هذا الأخير مقابل مبلغ من النقود هو القسط الذي يقوم المؤمَّن له بدفعه إلى المؤمِّن ”

و منها تعريف الفرنسي هيمار بكتابه في شرح التأمين: " التأمين عملية بمقتضاها يحصل أحد الطرفين، و هو المؤمَّن له، نظير دفع قسط على تعهد لصالحه أو لصالح الغير من الطرف الآخر و هو المؤمِّن، تعهدَ بمقتضاه أن يدفع هذا الأخير أداء معيناً عند تحقق خطر معين، و ذلك عن طريق تجميع المخاطر و إجراء المقاصَّة بينهما وفقاً لقوانين الإحصاء“ .

وهذا التعريف يتميز عن سابقه باشتماله على أهم دعامة يقوم عليها هذا العقد، وهي توزيع الخسائر بين المؤمَّن لهم بجانب بيانه للعلاقة بين المؤمَّن له والمؤمِّن، فضلاً عن أنه ينطبق على جميع أنواع التأمين، فهو يشمل التأمين من الأضرار، والتأمين على الأشخاص.

د. بسام حسن العف


ونصَّت المادة (713) من القانون المدني السوري، و المادة (747) من القانون المدني المصري بأنه:" عقد بين طرفين أحدهما يسمى المؤمِّن و الثاني المؤمَّن له ( أو المستأمن ) يلتزم فيه المؤمِّن بأن يؤدي إلى المؤمَّن لمصلحته مبلغاً من المال، أو إيراداً مرتباً، أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع حادث أو تحقق خطر مبين في العقد، و ذلك في مقابل قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمَّن له إلى المؤمِّن"

وفي العصر الحاضر لا يقوم بالتأمين فرد نحو فرد، بل تقوم به شركات أو مؤسسات مساهمة كبيرة يتعامل معها عدد ضخم من المستأمنين، فيجتمع لها مبالغ كبيرة من أقساط التأمين، وتؤدي هذه الأقساط المتجمعة ما يستحق عليها من تعويضات عند وقوع الحوادث المؤمن منها، ويبقى رأس مالها سنداً احتياطياً، ويتكون ربحها من الفرق بين ما تجمعه من أقساط وما تدفعه من تعويضات

د. بسام حسن العف


عناصر عقد التأمين: المدني السوري، و المادة (747) من القانون المدني المصري بأنه

يؤخذ من خلال التعريفات السابقة لعقد التأمين أن له عناصر أساسية يتكون منها، وهي:

الأول: المؤمِّن: وهو الطرف الذي يمثل التأمين كشركة أو مؤسسة يؤخذ على عاتقه التعويض عند تعرض الطرف الآخر للحادث أو لكارثة المؤمَّن ضده.

الثاني: المؤمَّن له: وهو الطرف الذي تعاقد مع المؤمِّن، والتزم بمقتضى عقد التأمين، أن يدفع للمؤمن بدلاً مالياً معيناً، يدفع وفق الاتفاق جملة واحدة، أو أقساطاً.

الثالث: الإيجاب والقبول: ويأتي الإيجاب من جانب طالب التأمين، ويجب أن يبلغ هذا الإيجاب إلى المؤمن، ثم القبول، ولا بد أن يكون مطابقاً للإيجاب، أي اتحاد إرادتي المتعاقدين، والقبول في عقد التأمين مجرد إذعان لما يمليه الموجب.

الرابع: المستفيد: وهو الذي يعينه المؤمن له ليستفيد من عقد التأمين عند وقوع الحادث المؤمن ضده، كالولد والزوجة.

د. بسام حسن العف


الخامس: مبلغ التأمين: المدني السوري، و المادة (747) من القانون المدني المصري بأنهوهو محل التزام شركة التأمين، فشركـة التأمين تتعهد بمقتضى عقـد التأمين بأن تدفع للمؤمَّن له، أو للمستفيد عند وقوع الخطر أو الحادث للمؤمن منه، في مقابل الأقساط الذي يدفعه المؤّمن له لهذه الشركة أو المؤسسة.

السادس: قسط التأمين: وهو محل التزام المؤمَّن له، حيث يدفع المؤمن له مبلغاً من المال للمؤمِّن بشكل دوري ومحدد، مقابل تعهد الآخر بدفع مبلغ تأمين، عند وقوع الخطر المؤمَّن منه

السابع: الخطر: وهو الحادث الاحتمالي الذي قد يقع وقد لا يقع، دون أن يكون وقوعه أو عدم وقوعه متوقفاً على إرادة أحد العاقدين، بل إن ذلك موكول إلى الله تعالى وحده، وذلك كموت المؤمَّن على حياته أو بقائه حياً إلى وقت معين، أو غرق البضاعة، أو حريق المنزل المؤمَّن عليه، فإن وقوع الحريق أو عدم وقوعه، وبقاء إنسان حياً في وقت معين أو عدم بقائه، أمر احتمالي، قد يكون وقد لا يكون، وموت إنسان وإن كان أمراً محقق الوقوع إلا أن زمن وقوعه غير محقق، فإذا ما تحقق هذا الخطر ووقع الحادث، وعلى إثرها يثبت للمؤمَّن له مبلغ التأمين من قبل المؤمِّن.

د. بسام حسن العف


خصائص عقد التأمين : المدني السوري، و المادة (747) من القانون المدني المصري بأنه

يختص عقد التأمين التجاري بالخصائص التالية:

الأول: عقد التأمين عقد معاوضة: إن عقد التأمين من عقود المعاوضات المالية، وليس من عقود التبرعات، لأنه يقوم على أساس المبادلة، فكل من طرفي العقد يأخذ مقابلاً لما أعطي، فالمؤمِّن يأخذ الأقساط لقاء تحمله أضرار الحادث عند وقوعه، وهو التعويض، والمؤمَّن له يدفع الأقساط ليأخذ مبلغ التأمين إذا وقعت الحادثة، وهو يقابل عقد التبرع الذي يعطي فيه أحد العاقدين للآخر مالاً دون مقابل.

الثاني: عقد التأمين عقد جديد:إن عقد التأمين عقد جديد، لم يرد ضمن زمرة العقود المسماة في الفقه الإسلامي، ولهذا يقوم على الاجتهاد في استنباط الأحكام الناظمة له، وقد نظمت أحكامه في القانون المدني، والقوانين الخاصة به، فأصبح من العقود المسماة في القانون، وله أحكام خاصة به، يلتزم بها عند التعاقد.

الثالث: عقد التأمين عقد احتمالي أو غرر:

إن عقد التأمين من عقود الغرر أو العقود الاحتمالية التي لا يستطيع فيه كل من المتعاقدين أو أحدهما في وقت العقد معرفة قدر ما يعطى او يؤخذ من المال، فلا يتحدد قدر تضحيته إلا في المستقبل تبعاً لأمر غير محقق الحصول أو غير معروف وقت حصوله.

د. بسام حسن العف


الرابع: عقد التأمين عقد ملزم: المدني السوري، و المادة (747) من القانون المدني المصري بأنه

إن عقد التأمين من العقود الملزمة للمتعاقدين وقت إبرامه، وهذا الالتزام إنما هو بالنسبة للمؤمَّن له، فهو يلتزم دفع الأقساط في مقابل التزام المؤمِّن بدفع مبلغ التأمين إذا تحقق الخطر المؤمَّن منه، ولا يملك أحد المتعاقدين فسخ العقد، أو إنهاءه بإرادته المنفردة، إلا برضى العاقد الآخر، أو إذا وجد سبباً قانونياً يجيز ذلك.

الخامس: عقد التأمين عقد إذعان:

إن عقد التأمين من عقود الإذعان، بمعنى أن يكون فيه أحد المتعاقدين مضطراً أن يقبل الشروط التي وضعها الطرف الآخر دون مناقشة ولا تعديل. واعتبار أن الإذعان إنما هو بالنظر إلى المؤمِّن، لأنه الجانب الأقوى، فشركات التأمين تتمتع بمركز مالي قوي، وفي إمكانها أن تقرر على جمهورها من الشروط ما تراه محققاً لمصالحها.

السادس: عقد التأمين عقد رضائي: إن عقد التأمين عقد رضائي، ينعقد بمجرد اقتران الإيجاب بالقبول دون حاجة إلى إجراء شكلي، لأن الفقه والقانون لم يشترطا أن يتم التأمين بشكل خاص، كالتسجيل في دائرة معينة، أو تصديقه لدى جهة رسمية، كما هو في الحال في عقد الزواج ونحوه .

د. بسام حسن العف


السابع: عقد التأمين عقد زمني: المدني السوري، و المادة (747) من القانون المدني المصري بأنه

إن عقد التأمين عقد زمني أو ممتد، لأن الزمن عنصر جوهري فيه، ذلك لأن التأمين يكون ضد حادث يحتمل الوقوع في المستقبل، والتأمين يمتد إلى فترة زمنية متفق عليها، غالباً ما تكون سنة، فإذا ما وقع الحادث المؤمَّن ضده، خلال هذه السنة والتي يشملها التأمين، تقوم الشركة المؤمنة بالتعويض عن الضرر، وإن وقع الحادث بعد انتهاء المدة، فلا تلتزم الشركة بشيء، لأن التأمين ينتهي بانتهاء مدته.

الثامن: عقد التأمين عقد تجاري:

إن عقد التأمين من العقود التجارية، ومعروف أن الشركات المساهمة إنما تقوم بقصد الربح المادي، وشركات التأمين شأنها في ذلك شأن باقي الشركات المساهمة، وهي في سبيل تحقيق هذا الهدف تحمِّل القسط أعباء مختلفة، كمصاريف الإدارة والسماسرة، وكل ما يتعلَّق بسير أمور الشركة، ويضمن لها تحقيق أكبر قسط من الربح الحاصل إليها عن طريق جمهورها باستثمار أموالهم المتجمعة لديها بمختلف الطرق، ثم الحاصل عن طريق الفروقات بين الأقساط المحصلة والتعويضات المدفوعة عند وقوع الحادث.

د. بسام حسن العف


أنواع التأمين التجاري: المدني السوري، و المادة (747) من القانون المدني المصري بأنه

يتنوع التأمين التجاري باعتبار موضوعه إلى عدة أنواع: نعرضها بإيجاز فيما يلي:

أولاً: التأمين البحري: وهو الذي يتعلق بالتأمين من أخطار النقل بطريق البحر، سواء كان تأميناً على البضائع، أو على السفن، ويلحق بالتأمين البحري التأمين من أخطار النقل عن طريق الأنهار والترع والقنوات.

ثانياً: التأمين البري:

ويقصد به التأمين من الأخطار التي لا تتصل بالنقل البحري وما ألحق به، ويتفق التأمين الجوي مع التأمين البري في كثير من أحكامه، والتأمين البري ينقسم بدوره إلى قسمين:

أحدهما:التأمين على الأشخاص.

ثانيهما: التأمين من الأضرار.

د. بسام حسن العف


القسم الأول: التأمين على الأشخاص:

ويقصد به التأمين من الأخطار التي تهدد الشخص في حياته أو في سلامة جسمه أو صحته أو قدرته على العمل، والتأمين على الأشخاص نوعان:

الفرع الأول: التأمين على الحياة:

وهو عقد يتعهد بمقتضاه المؤمِّن بأن يدفع للمؤمَّن له أو لورثته أو للمستفيد المبين بالعقد مبلغاً معيناً أو مرتباً، وذلك عند حدوث الوفاة، أو أي حدث آخر متفق عليه، وذلك لقاء قيام المؤمَّن له بدفع مبلغ من المال .

الفرع الثاني: التأمين من الإصابات (الحوادث):

وهو عقد بمقتضاه يدفع المؤمِّن مبلغاً من المال عند وقوع الإصابة المؤمَّن منها، كأن يموت في حادث مفاجئ أو يصاب في جسمه إصابة تعجزه عن العمل عجزاً دائماً أو مؤقتاً، ويلحق بالتأمين من الإصابات التأمين من المرض، وفيه يؤمن الشخص نفسه من العجز عن العمل الذي يترتب على المرض، وتدخل في ذلك نفقات العلاج مقابل أن يدفع المؤمَّن له قسطاً شهرياً من المال .

د. بسام حسن العف


القسم الثاني: التأمين من الأضرار:

وهو تأمين لا يتعلق بشخص المؤمَّن له، بل بما له، فيؤمن نفسه من الأضرار التي تصيبه في ماله، ويتقاضى من شركة التأمين تعويضاً عن هذا الضرر، في حدود المبلغ المتفق عليه في عقد التأمين، فهذا التأمين له صفة تعويضية، وليس للمؤمَّن له أن يحصل على تعويض من المؤمِّن إلا إذا لحقه ضرر في ماله، ويكون ما يحصل عليه دائماً في حدود قيمة الضرر الذي أصابه، ولهذا النوع فرعان :

الفرع الأول: التأمين على الأشياء:

ويقصد به التأمين من الأضرار التي تلحق بشيء معين، كتأمين المنزل من الحريق، والمزروعات من التلف، والمواشي من الموت، والتأمين من السرقة والتبديد، وتأمين الدين.

د. بسام حسن العف


الفرع الثاني: التأمين من المسئولية:

وفيه يؤمن الشخص نفسه من الضرر الذي يصيبه في ماله في حالة تحقق مسئوليته قبل المضرور، ورجوع هذا المضرور عليه، فشركة التأمين لا تعوض المضرور نفسه، بل يعوضه المؤمَّن له، ثم يرجع على شركة التأمين بمقدار هذا التعويض.

والمسئوليات التي يؤمن الإنسان منها نفسه كثيرة منها:

فقد يؤمن نفسه من مسئوليته عن حوادث سيارته أو من مسئوليته عن الحريق أو من مسئوليته المهنية، أو من مسئوليته عن حوادث النقل، ومن بين هذه المسئوليات ما يكون التأمين منه إجبارياً كالتأمين من حوادث العمل والتأمين من حوادث السيارات، ومنها ما يكون اختيارياً، وهو الغالب.

د. بسام حسن العف


المبحث الثالث: المسئولية:

عقد التأمين التجاري في نظر الفقهاء المعاصرين

إن عقد التأمين من العقود الحادثة التي لم تكن موجودة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا في عصر الخلفاء الراشدين، ولا في عصور المذاهب الفقهية، وربما يعود سبب ذلك إلى أن الإسلام يضمن كل ما يحقق التكافل الاجتماعي من خلال نظام الزكاة، ونظام النفقات، وبيت المال، إضافة إلى رعاية حقوق الأخوة الإسلامية، ومن هنا لم يكن الفرد المسلم بحاجة إلى نظام التأمين، حتى التأمين على الحياة، وذلك لأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: " من ترك مالاً فلورثته أو ترك كلاً فإلينا ".

د. بسام حسن العف


وإنما نشأت عقود التأمين خلال القرون الأخيرة، لذلك كان أول فقيه تحدث عنها هو الفقيه الحنفي العلامة محمد أمين الشهير بابن عابدين (المتوفى 1252هـ-1836م) في حاشيته: رد المحتار على الدر المختار، حيث قال: "وبما قررناه من عدم جواز أخذ مال الكافر الحربي بعقد فاسد، وجوازه في دار الحرب برضاه ولو بربا، يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا، وهو أنه جرت العادة أن التجار إذا استأجروا مركباً من حربي يدفعون له أجرته، ويدفعون أيضاً مالاً معلوماً لرجل حربي مقيم في بلاده، ويسمى ذلك المال سوكرة، على أنه مهما هلك من المال الذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غيره، فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم، وله وكيل عنه مستأمن في دارنا يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان يقبض مال السوكرة، وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدي ذلك المستأمن للتجار بدله تماماً ..”

ثم قال: " والذي يظهر لي أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله، لأن هذا التزام ما لم يلزم … ".

د. بسام حسن العف


وخلاصة ما يدل عليه كلام ابن عابدين أن عقد التأمين بصورته الحالية باطل، لكنه إذا وقع في ديار غير الإسلام فإنه يجوز للمسلم أن يأخذ بدل الهالك من الكافر الحربي إذا رضي بناءً على رضاه، وليس على كون العقد صحيحاً، وهذا رأي أبي حنيفة ومحمد في أموال الحربي في دار الحرب

وبعد فتوى العلامة ابن عابدين تناول الفقهاء المعاصرون هذه المسألة، واختلفوا فيها بين محرم ومجيز ومتوسط على ثلاثة آراء:

الرأي الأول: ذهب فريق من الفقهاء المعاصرين - وهم الأكثر عدداً - إلى عدم جواز عقد التأمين التجاري الرأي الثاني: وذهب فريق آخر من الفقهاء المعاصرين إلى جواز عقد التأمين التجاري .

الرأي الثالث: وذهب فريق ثالث من الفقهاء المعاصرين إلى التوسط بين الرأيين السابقين، حيث يحرم بعض أنواع عقود التأمين، ويجيز بعضها .


منشأ الخلاف بين الفقهاء المعاصرين في التأمين التجاري:

يرجع الخلاف بين الفقهاء المعاصرين في هذه المسألة إلى الأمور التالية:

أ . التأمين عقد جديد، لم يرد به دليل خاص، ولهذا يقوم على الاجتهاد بالرأي، والاجتهاد بالرأي من أهم أسباب اختلاف الفقهاء .

ب. اختلاف الفقهاء المعاصرين في وصف التأمين وتكييفه، فمن وصف التأمين بأنه ضرب من ضروب التعاون على الخير، أفتى بجوازه، ومن وصفه بأنه ضرب من ضروب القمار والربا والغرر، أفتى بحرمته.


الأدلــة: المعاصرين في التأمين التجاري:

استدل الفريق الأول على عدم جواز التأمين التجاري بما يلي:

1. عقد التأمين يشتمل على غرر مفسد للعقد:

إن عقود التأمين الحالية نوع من بيع الغرر الفاحش الذي يفسد عقود المعاوضات، حيث أن كلاً من المؤمَّن له، وشركة التأمين يتعاقدان على أمور قد يمر العمر كله ولا يقع هذا الأمر الذي تعاقدا عليه، علماً أن المؤمَّن له قد دفع إلى شركة التأمين أموالاً كثيرة مقسطة، ولم يستفد أية فائدة، فهل يوجد غرر أفظع من هذا الغرر الذي لا تُدرى عاقبته، ولا تعرف نهايته؟.

وقد جاء تحريم عقد الغرر في أحاديث كثيرة، منها: ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" وفي رواية عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيع الغرر".


2. عقد التأمين يشتمل على الربا بنوعيه:

إن عقد التأمين التجاري يشتمل على ربا الفضل، وربا النسيئة، فإن شركة التأمين إذا دفعت للمؤمَّن له أو الورثة أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها، فهو ربا فضل، وإن كان مساوياً لما دفعه بعد مدة، فيكون ربا نسيئة، وهذا الربا محرم بالنص والإجماع ومفسد للعقد باتفاق الفقهاء .

بالإضافة إلى أن شركات التأمين تقوم باستثمار أموالها في البنوك الربوية، وهذا قطعاً حرام بنصوص الشريعة الغراء .


3 بنوعيه:. عقد التأمين يشتمل على الميسر:

إن الإسلام حرم الميسر والمقامرة والمراهنة في قوله تعالى: }إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{، والميسر مفسد لعقود المعاوضات وعلة فساد عقود المعاوضات بالميسر هي الاحتمال والغرر والجهالة، حيث أن كل من المتقامرين والمتراهنين لا يستطيع أن يحدد هل سيحصل له العوض أو لا يحصل لأن تحصيل العوض يتوقف على كسب اللعب وهو احتمالي.

وهذه العلة متحققة في عقد التأمين التجاري فالمستأمن لا يعرف إن كان سيحصل على العوض أم لا لأن حصوله عليه متوقف على حدوث الخطر كما في القمار متوقف على كسب اللعب.


4. عقد التأمين يشتمل على تحدٍ للقدر الإلهي :

إن عقد التأمين على الحياة فيه تحد كبير للقدر الإلهي، لا سيما في التأمين على الحياة، فمن عقيدة المسلم أن الأعمار بيد الله، فمن يتعهد لغيره أن يعيش كذا من العمر، وإلا كان ضامناً لورثته مبلغاً من المال، وكذا الذي يعتمد على هذا القول ويتعاقد على أساسه، طمعاً في التعويض، كلاهما خارج عن مقتضى هذه العقيدة.


واستدل الفريق الثاني على جواز التأمين التجاري بما يلي :1. قياس عقد التأمين على عقد الموالاة:

عقد الموالاة:هو أن يتفق شخص ممن أسلم من غير العرب مجهول النسب مع عربي معروف النسب على أن يلتزم العربي بالدية إذا جنى، ويلتزم غير العربي بأن يكون العربي وارثه إذا لم يكن له وارث سواه، وهذه الرابطة سميت عند الحنفية "ولاء الموالاة ".

وعقد التأمين يشبه عقد الموالاة من حيث طرفا العقد وعوضاه، فالمؤمِّن (الشركة) تشبه مولى الموالاة، و المؤمَّن له يشبه المعقول عنه، و العوض الذي يلتزم به المؤمِّن، وهو مبلغ التأمين الذي يدفعه عند تحقق الخطر يشبه الدية التي يدفعها مولى الموالاة، في مقابل العوض الذي يلتزم به المعقول عنه، وهو التركة، يشبه أقساط التأمين التي يدفعها المؤمَّن له.

وبهذا يشبه عقد التأمين عقد الموالاة و هو صورة حية من صور عقد التأمين من المسئولية.


أقساط التأمين التجاري بما يلي :

تعويض

عقد التأمين

المؤمنله

المؤمن

عقدالمولاة

المعقولعنه

مولىالمولاة

تورثتركته

يدفعدية


2. قياس عقد التأمين على نظام العواقل:

نظام العواقل:هو إذا جنى شخص جناية قتل غير عمد، بحيث يكون موجبها الأصلي الدية لا القصاص، فإن هذه الدية توزع على أفراد عاقلته الذي يحصل بينه وبينهم التناصر عادة، وهم الرجال البالغون من أهله وعشيرته، وكل من كان يتناصر بهم، ويعتبر واحداً منهم، فتقسط الدية عليهم في ثلاث سنين، بحيث يتحمل أفراد العاقلة الدية، وتهدف الحكمة فيه إلى غايتين:

الأولى: تخفيف أثر المصيبة عن الجاني المخطئ.

الثانية: صيانة دماء ضحايا القتل الخطأ عن أن تذهب هدراً، لأن الجاني المخطئ قد يكون فقيراً لا يستطيع التأدية، فتضيع الدية.

ووجه الشبه بين عقد التأمين ونظام العاقلةتخفيف أثر المصيبة عن المصاب عن طريق توزيع العبء المالي على جميع المشاكل، مما يحول دون ذهاب دم المقتول هدراً، والتأمين كذلك، لأن التعويض المالي المقرر عند وقوع الحادث المؤمَّن ضده يوزع على مجموع المؤمنين لهم، وهذا هو التعاون على ترميم أثر المصيبـة بعد وقوعها، بدل أن تقع على رأس فرد واحد، وقد لا يستطيع أن يتحملها وحده.


3. قياس عقد التأمين على ضمان خطر الطريق:

خطر الطريق: هو أن يقول شخص لآخر: اسلك هذا الطريق فإنه آمن، وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن، فسلكه فأخذ ماله، حيث يضمن القائل.

وعقد التأمين على الأموال من الأخطار يشبه هذه المسألة من حيث التزام الضمان، فالشركة التزمت الضمان كما أن القائل التزمه، فيأخذ التأمين حكم ضمان خطر الطريق، وهو الجواز.

4. قياس عقد التأمين على قاعدة الالتزامات والوعد الملزم عند المالكية:

الوعد الملزم: هو أن الشخص إذا وعد غيره وعداً بقرض، أو بتحمل خسارة، أو إعارة، أو نحو ذلك، مما ليس بواجب عليه في الأصل، فهل يصبح بالوعد ملزماً، ويقضي عليه بموجبه إن لم يف له، أو لا يكون ملزماً ؟

اختلف فقهاء المالكية في ذلك على أربعة آراء:من جملتها: يُقضى بالوعد مطلقاً، أي أنها ملزمة له، وكذلك التأمين، لأن المؤمِّن وعد والتزم بتحمل الخسارة والتعويض عنها، عند وقوع الحادث المؤمَّن ضده.


5. قياس عقد التأمين على نظام التقاعد والمعاش لموظفي الدولة:

نظام التعاقد والمعاش لموظفي الدولة: هو نظام مالي عام في عصرنا يقوم على أساس أن يقتطع من المرتب الشهري للموظف في أعمال الدولة جزء نسبي ضئيل محدود، حتى إذا بلغ الشيخوخة القانونية، وأُحيل إلى التقاعد، أخذ راتباً شهرياً يبلغ أضعافاً مضاعفة من المبلغ الضئيل الذي كان يقتطع من راتبه شهرياً، وذلك بحسب مدة عمله في الوظيفة، ويستمر المرتب التقاعدي الجديد ما دام حياً مهما طالت حياته، وينتقل إلى أسرته التي يعولها من زوجة وأولاد وغيرهم بشرائط معينة بعد وفاته، فما الفرق بين هذا النظام وبين عقد التأمين على الحياة ؟

ففي كليهما يدفع الشخص قسطاً ضئيلاً دورياً لا يدري كم يستمر به دفعه، وكم يبلغ مجموعه عند التقاعد، وفي كليهما يأخذ الشخص أو أسرته في مقابل هذا القسط الدوري الضئيل مبلغاً كبيراً دورياً أيضاً في التقاعد، وفورياً في التأمين على الحياة، وقد يتجاوز كثيراً مجموع أقساط التأمين، ولا يدري كم يبلغ في التقاعد إلى أن ينطفئ الاستحقاق وانتقالاته، بينما هو محدد معلوم المقدار في التأمين على الحياة.

فالغرر والجهالة في نظام التقاعد الذي اتفق الفقهاء المعاصرون على جوازه أعظم منها في التأمين على الحياة.


واستدل الفريق الثالث من العلماء المعاصرين القائل بالتفريق بين التأمين على الأموال، كالسيارات وغيرها، والتأمين على الحياة، فأجازوا التأمين على الأموال دون التأمين على الحياة، وقد استدلوا لجواز التأمين على الأموال بالأدلة التي استدل بها أصحاب الفريق الثاني، واستدلوا لتحريم التأمين على الحياة بأدلة القائلين بعدم الجواز، وأنه لا حاجة للتأمين على الحياة.


* المناقشة والترجيح: المعاصرين القائل بالتفريق بين التأمين على الأموال، كالسيارات وغيرها، والتأمين على الحياة،

أولاً: مناقشة أدلة القائلين بعدم جواز التأمين التجاري:

1. إنَّ القول بأن عقد التأمين يشتمل على غرر مفسد للعقدغير صحيح.لأن المعاوضة الحقيقية في عقد التأمين تكون بين الأقساط التي يدفعها المؤمَّن له للمؤمِّن، مقابل الأمان الذي يحصل عليه من التزام المؤمِّن بالتعويض عن الضرر عند وقوع الحادث وعدمه بالنسبة للمؤمَّن له، سواء بعد إبرام العقد، ويكون عقد التأمين، عقد معاوضة محقق النتائج فور انعقاده مقابل ذلك عقد الحراسة، فالأجرة تدفع في مقابل الحصول على الأمان، وهذا الأمان لا غرر فيه، وكذلك القسط الشهري الذي يدفعه المؤمَّن له للحصول على هذا الأمان.

2. القول بأن عقد التأمين يشتمل على الربا بنوعيه شبهة واضحة. لأن مفهوم الربا في الإسلام أبعد ما يكون عن موضوع التأمين الذي لا هدف له سوى الوقاية من خطر الكوارث والأضرار، مما يجعله غير ذي صلة بمفهوم الربا أصلاً.


3. القول بأن عقد التأمين يشتمل على الميسر غير صحيح. لأن الميسر يعقد على المصادفات والحظوظ، وقد يضيع المتلهي به أوقاته، ويقتل فعاليته ونشاطه، وأبرز المفارقات بين التأمين والميسر أن الأخير ليس فيه أية صلة بترميم أضرار والأخطار الطارئة على النشاط الاقتصادي المنتج في ميدان الحياة الإنسانية، لا بطريق التعاون على تفتيت تلك الأضرار وتشتيتها، ولا بطريق تحمل فردي غير تعاوني، ولا يعطي أحداً من المتراهنين أي أمان أو طمأنينة، كما هو الأثر المباشر في عقد التأمين.

4. القول بأن التأمين يشتمل على تحدٍ للقدر الإلهي، وخاصة في التأمين على الحياة غير صحيح. لأن التأمين ليس ضماناً لعدم وقوع الحادث الخطر المؤمَّن منه كي يتوهم أنه تحد للأقدار، لأن هذا فوق قدرة الإنسان، ولا يرى لنفسه هذه القدرة، ولا يعتقدها في غيره من البشر إلا مجنون، وإنما التأمين ضمان لترميم آثار الأخطار إذا تحققت ووقعت، وهو تحويل لهذه الأضرار عن ساحة الفرد المؤمَّن له الذي قد يكون عاجزاً عن احتمالها إلى ساحة جماعية تخفُّ فيها وطأتها على الجماعة، حتى تنتهي إلى درجة ضئيلة جداً بحيث لا يحس بها أحد منهم.


مناقشة أدلة القائلين بجواز التأمين التجاري:

1. قياس عقد التأمين على عقد الموالاةغير صحيح.وقياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما أن عقد التأمين هدفه الربح المادي المشوب بالغرر والميسر، بخلاف عقد الموالاة الذي يجعل غير العربي في أسرة عربية ينتمي إليها، ويكون كأحد أفرادها، ويحمل اسمها ولقبها وينادي بها، وتناصره ويناصرها، وجميع هذه المعاني غير موجودة في عقد التأمين التجاري، هذا بالإضافة إلى أن عقد الموالاة محل خلاف بين الفقهاء.

2. قياس عقد التأمين على نظام العاقلةلا يصح.لأن نظام العاقلة يقوم على التعاون والتكافل الاجتماعي التي تدعو إلى النصرة والتواصل، والتعاون دون مقابل، لا على أساس التجارة والربح، والعاقلة أسرة يربطها الدم والرحم التي أمر الله بوصلها، وهذه المعاني غير موجودة في شركة التأمين.


3. قياس عقد التأمين على خطر الطريق غير صحيح. لأنه قياس مع الفارق، والفارق، الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض، بخلاف التأمين، فإنه عقد معاوضة تجارية يقصد منها الكسب المادي.

4. قياس عقد التأمين على الوعد الملزم غير صحيح. وقياس مع الفارق، لأن الوعد بقرض أو إعارة، أو تحمل خسارة تبرع محض يدخل في مكارم الأخلاق، والتأمين معاوضة تجارية باعثها الربح المادي، فلا يغتفر فيه ما يغتفر في التبرعات من الجهالة والغرر.

5. قياس عقد التأمين على نظام التقاعد والمعاش لموظفي الدولة الذي يندرج تحت التأمين التعاوني لا يصح. لأن نظام التقاعد لا يقوم على أساس التجارة وتحصيل الأرباح عكس التأمين التجاري.


القـول الراجـح: غير صحيح.

بعد عرض آراء الفقهاء المعاصرين وأدلتهم ومناقشتهم يظهر لي رجحان ما ذهب إليه القائلون بعدم جواز عقد التأمين التجاري بجميع صوره لاشتماله على الغرر والربا والميسر.


قرارات مجمع الفقه الإسلامي بشأن التأمين التجاري:

- نظر المجمع الفقهي في مسألة التأمين التجاري في دورته المنعقدة في مكة المكرمة في الفترة 25/3-4/4/1399هـ وأفتى ما يلي:

قرر المجلس بالأكثرية تحريم التأمين بجميع أنواعه، سواء أكان على النفس، أم البضائع التجارية، أم غير ذلك من الأموال، كما قرر بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء من جواز التأمين التعاوني بدلاً من التأمين التجاري المحرم والمنوه عنه آنفاً، وعهد بصياغة القرار إلى لجنة خاصة.

وقد اتخذت اللجنة المكلفة بصياغة القرار والمشكلة من أصحاب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ محمد محمود الصواف والشيخ محمد بن عبد الله السبيل القرار التالي:

" بعد الدراسة الوافية وتداول الرأي في ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي بالإجماع، عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء تحريم التأمين التجاري بجميع أنواعه، سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك … "


- كما نظر مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاده الثاني بجدة في الفترة10-16 ربيع الثاني الهجري الموافق22-28/12/1985م، بشأن التأمين وإعادة التأمين وقرر ما يلي :

أ . إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولهذا فهو حرام شرعاً.

ب. إن العقد البديل الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي هو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون، وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني .

ت. دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني، وكذلك مؤسسات تعاونية لإعادة التأمين، حتى يتحرر الاقتصاد الإسلامي من الاستغلال، ومن مخالفة النظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة.


البديل الإسلامي لشركات التأمين التجارية

لو طهرنا عقود التأمين مما يخالف أحكام الشريعة لأصبح تأميناً إسلامياً، ولن يتأتى ذلك إلا عن طريق التعاون.

والمدخل للتأمين التعاوني هو تصورنا لجماعة يتعرضون لنوع من المخاطر، كوَّنوا فيما بينهم نظاماً تعاونياً ما، كجمعية أو صندوق، ودفعوا مبالغ نقدية يؤدى من مجموعها تعويض لأي فرد منهم يقع عليه الخطر، فإن لم تف المبالغ التي دفعوها سددوا الفرق المطلوب، وإن زاد منها شيء بعد التعويضات أعيد إليهم أو جعل رصيداً للمستقبل، وهذه الجماعة لم تهدف إلى تحقيق ربح، بل هو تعاون على البر الذي أشار به الكتاب الكريم.


ولو وسَّعنا هذا التصور المبسط، وأضفنا إليه تعديلاً طفيفاً، لوصلنا إلى صورة التأمين التعاوني الإسلامي، فبدلاً من جماعة – يتعرضون لنوع من المخاطر- يقوم جماعات كتجار أو أهل حرف أو أفراد يتفقون جميعاً على دفع مقادير من المال متساوية أو متفاوتة أقساطاً أو دفعة واحدة واتفقوا على أن ما يدفعون من المال هو تبرع أو هبة، ومن مجموع ما تحصل يعان من يقع له حادث، أو يعان ورثته عند وفاته دفعة واحدة، أو على هيئة مرتب متكرر، وما يفيض بعد التعويضات يُرَحَّل كاحتياطي لفترة تالية، وحتى يتسنى تحصيل المال وحفظه والتعاقد مع الأعضاء، وصرف التعويضات يشكلون فيما بينهم " مجلس إدارة "، ويستخدمون بعض العاملين لوصلنا في النهاية إلى هيئة تأمين تعاوني تؤدي نشاطاً خالياً من أي مفسد من مفسدات العقود .


وقد يسمى هذا النوع " بالتأمين التبادلي"؛ لأن كل عضو يتبادل مع الآخر معونته، فكل منهم مؤمن ومؤمن له، سواء اشتركوا في الإدارة أم لا.

ويجوز لهيئة التأمين التعاوني هذه أن تستثمر فائض أموالها في مشروعات تتمشى مع أحكام الشريعة فتدر عليها عائداً إضافياً.

وهل يمكن قيام شركة مساهمة أو محدودة المسئولية يكون نشاطها التأمين وفق أحكام الشريعة الإسلامية ؟

المحور الذي تدور حوله شركة التأمين التعاوني الإسلامي هو وجود الكيان الذي يجمع راغبي التأمين لتحقيق متطلباتهم.

وعليه يمكن تأسيس شركة مساهمة أو محدودة المسئولية، ويفضل أن يكون البنك الإسلامي من مؤسسيها، يكون غرضها مزاولة أعمال التأمين التعاوني وإعادة التأمين.


وللشركة أن تستثمر فائض رأس مالها وأموالها في المشروعات التجارية أو الصناعية أو الزراعية بأي طريق مشروع كالمضاربة مثلاً.

ويسير نشاط الشركة في خطين متوازيين هما:

1. القيام بأعمال التأمين اعتماداً على أقساط التأمين المحصلة، ومنها تدفع التعويضات.

2. استثمار فائض الأموال في أوجه الاستثمار الجائزة شرعاً.

ولما كان فائض الأموال قد ينسحب إلى زيادة الأقساط المحصلة عن التعويضات المدفوعة واحتياطي العمليات السارية فإن الأرباح الناشئة عن الاستثمار يجب أن تعود إلى المساهمين وإلى المؤمِّنين كل بقدر مساهمة أمواله في الاستثمار.


ونظراً لأن مصروفات الإدارة تكون مشتركة – أي غير مقررة - بين ما يتعلق بالمساهمين وما يتعلق بالمؤمنين، سواء في النشاط الاستثماري أو خدمات التأمين فيتعين النص في القانون النظامي للشركة على ما يلي:

1. الأساس الذي يتبع في توزيع الاستثمار بين فريقي المساهمين والمؤمنين.

2. قواعد تقسيم المصروفات المشتركة أو تركها لمجلس الإدارة في ختام السنة المالية.

3. كيفية التصرف في صافي الفائض الذي يخص المؤمنين إما بتوزيع جزء عليهم، وعمل احتياطي خاص بهم بالباقي، أو تحويله كله إلى ذلك الاحتياطي، وذلك على هدى ما تقرره الجمعية العمومية ووفق نسب أقساط التأمين التي دفعوها .

4. كيفية التصرف في صافي الفائض الذي يخص المساهمين على أن التوزيع بينهم على حسب عدد الأسهم التي يتملكها كل مساهم من رأس المال وقد طرح مجلس هيئة كبار العلماء في الرياض في جلسته المنعقدة في 4/4/1397هـ البديل الشرعي، والذي وافق عليه المجمع الفقهي حيث جاء في قراره ما يلي :

قرر مجلس المجمع الفقهي بالإجماع الموافقة على قرار مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية رقم (51) وتاريخ 4/4/1397هـ من جواز التأمين التعاوني بدلاً من التأمين التجاري المحرم؛ للأدلة التالية:


1. إن التأمين التعاوني من عقود التبرع التي يقصد بها أصالةً التعاونُ على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر.

2. خلو التأمين من الربا بنوعيه: ربا الفضل وربا النسيئة، فليست عقود المساهمين ربوية، ولا يستغلون ما جمع من الأقساط في معاملات ربوية.

3. إنه لا يضر جهل المساهمين في التأمين التعاوني لتحديد ما يعود عليهم من النفع؛ لأنهم متبرعون، فلا مخاطرة ولا غرر ولا مقامرة بخلاف التأمين التجاري، فإنه عقد معاوضة مالية تجارية.

4. قيام جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الذي من أجله أنشئ هذا التعاون، سواء كان القيام بذلك تبرعاً أو مقابل أجر معين.


فصل التأمين التبرع التي يقصد بها أصالةً التعاونُ على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر.

أ.منال محمد رمضان العشي


المبحث الأول التبرع التي يقصد بها أصالةً التعاونُ على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر.بيع المرابحة للآمر بالشراء

إن من أنواع البيوع في الفقه الإسلامي ما يعرف باسم بيع الأمانة، وهو البيع الذي يحدد فيه البائع الثمن بمثل رأس المال أو أزيد منه أو أنقص.

وبيع الأمانة ينقسم إلى أربعة أقسام، هي:

1. المرابحة:وهي بيع السلعة بمثل الثمن الأول وزيادة ربح معين، فإذا اشترى البائع السلعة بألف دينار مثلاً، واتفق معه المشتري أن يربحه فيها مائة، فهذا بيع مرابحة.

2. التولية: وهي بيع السلعة برأس المال بلا زيادة ولا نقصان، وإن قبل البائع بيع السلعة بلا ربح ولا خسارة، فهي تولية.


3. الإشراك: التبرع التي يقصد بها أصالةً التعاونُ على تفتيت الأخطار، والاشتراك في تحمل المسئولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصص لتعويض من يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم، وإنما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون على تحمل الضرر.هو كبيع التولية، إلا أنه بيع بعض المبيع ببعض الثمن.

4. الوضيعة:وهي بيع السلعة بخسارة معلومة، فإن قبل البائع بيعها بأقل من الثمن الذي اشتريت به، فإن هذا هو بيع الوضيعة أو الحطيطة.

5. الاسترسال:وهذا القسم يلحق بيع الأمانة عند المالكية والحنابلة، وهو ما يسمى بيع المسترسل أو المستأمن، وفيه يكشف العاقد أنه لا دراية له فيما هو مقدم عليه من التعاون، ويركن إلى ذمة المتعاقد الآخر، يطلب منه أن يعامله كما يعامل سواه من الناس.


أولاً : تعريف المرابحة غير المصرفية:

المرابحة لغة:مصدر من الربح، وهو الزيادة أو النماء في التجارة.

أما المرابحة شرعاً:فإن للفقهاء عدة تعريفات لها تؤدي في النهاية إلى معنى واحد، نختار منها على سبيل المثال التعريف التالي:

"بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح".


ثانياً : دليل مشروعيتها: المصرفية:

المرابحة بيع من البيوع المشروعة، ولكنها تتميز بخاصية الأمانة؛ وهي مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.

(أ) الكتاب :

جاءت النصوص في كتاب الله بأحكام عامة تدل على مشروعية البيع، والمرابحة بيع من البيوع، ومن هذه النصوص:

1- قال الله تعالى: }وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ { .

2- قال الله تعالى: }لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُم{.

3- قال الله تعالى: }إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ{.

وكما أسلفنا أن بيع المرابحة بيع بالتراضي بين العاقدين.


(ب) السنة : المصرفية:

1- أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الهجرة، ابتاع أبو بكر رضي الله عنه بعيرين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ولِّني أحدهما، فقال: هو لك بغير شيء، فقال عليه الصلاة والسلام: أما بغير ثمن فلا ".

2- روي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ".

3- وقال صلى الله عليه وسلم: " إنما البيع عن تراضٍ ".

4- وما روي عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل أي الكسب أطيب؟ قال: " عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور".

من خلال عموم الأحاديث النبوية الدالة على مشروعية البيع نستدل على مشروعية المرابحة؛ باعتبارها نوعاً من البيوع.


(ت) الإجماع : المصرفية:

تعامل المسلمون بالمرابحة في سائر العصور دون نكير، فكان ذلك إجماعاً على جوازها .

يقول ابن رشد: أجمع جمهور الفقهاء على أن البيع صنفان: مساومة ومرابحة، وأن المرابحة هي أن يذكر البائع للمشتري الثمن الذي اشترى به السلعة ويشترط عليه ربحاً ما للدينار أو الدرهم.


(ث) المعقول : المصرفية:

توافرت في هذا العقد شرائط الجواز الشرعية، والحاجة ماسة إلى هذا النوع من التصرف، لأنه يستفيد منه الخبير بالحوائج والأشياء، بالبيع مع الربح، وغير الخبير الذي لا يحسن التجارة.

يقول المرغيناني : "المرابحة جائزة لتوافر شروط الجواز، ولتعامل الناس من غير إنكار، ولمساس الحاجة، لأن الغبي الذي لا يهتدي في التجارة يحتاج إلى أن يعتمد على فعل الذكي المهتدي، وتطيب نفسه بمثل ما اشترى وبزيادة ربح... ".


ثالثاً : أركان المرابحة: المصرفية:

إن المرابحة عقد بيع، فتكون أركانها ثلاثة:

الصيغة، وهي الإيجاب والقبول: ويشترط فيهما أن يتصلا في مجلس العقد، وأن يتوافقا لفظاً ومعنى مع عدم التعليق وعدم التأقيت.

2. العاقدان، وهما البائع والمشتري: ويشترط فيهما إطلاق التصرف وعدم الإكراه بغير حق.

3. المعقود عليه، هو الثمن والمثمن: ويشترط فيه أن يكون طاهراً منتفعاً به شرعاً مملوكاً للعاقد، أي له ولاية وعليه، ومقدوراً على تسليمه، ومعلوماً للعاقدين .


رابعاً: شروط المرابحة: المصرفية:

يشترط في بيع المرابحة شروط، هي:

العلم بالثمن الأول: يشترط أن يكون الثمن الأول معلوماً للمشتري الثاني، وهذا الشرط يشمل جميع أخوات المرابحة من التولية والإشراك والوضيعة، لأنها تعتمد كلها على أساس الثمن الأول، أي رأس المال، فإذا لم يعلم الثمن الأول فالبيع فاسد إلى أن يعلم في المجلس، فلو لم يعلم حتى افترق العاقدان عن المجلس، بطل العقد لتقرر الفساد.

2. العلم بالربح: يشترط أن يكون الربح معلوماً، لأنه جزءٌ من ثمن البيع، سواء كان هذا الربح قدراً معيناً أو نسبة من الثمن.

3. أن يكون رأس المال من المثليات: كالأوراق النقدية بأنواعها من دينار أو دولار أو ريال، والمكيلات، والموزونات والعدديات المتقاربة.


4. ألا يكون الثمن في العقد الأول مقابلاً بجنسه من أموال الربا: فإن كان كذلك، كأن اشترى مكيلاً أو موزوناً بجنسه لم يجز له بيعه مرابحة، لأن الزيادة هنا تكون رباً لا ربحاً، وكذلك لا يجوز بيعه وضيعة، ولكن يجوز بيعه تولية أو إشراكاً، إذ إنهما بمثل الثمن في كل المبيع أو بعضه، فلا يتحقق الربا.

أما عند اختلاف الجنس فتجوز الزيادة، ولا بأس بالمرابحة، كأن اشترى ديناراً بعشرة دراهم، فباعه بربح درهم أو ثوب بعينه، جاز.

5. أن يكون العقد الأول صحيحاً: فإن كان فاسداً لم يجز بيع المرابحة، لأن ما بني على فاسد فهو فاسد.


خامساً : حكم الخيانة إذا ظهرت: مقابلاً بجنسه من أموال الربا:

ونشير هنا إلى نقطة ذكرها الفقهاء، وهي أن بيع المرابحة من بيوع الأمانة، لأن البائع مستأمن في الإخبار عن الثمن الأول للسلعة، وعن المصروفات المعتبرة التي تضاف إلى ذلك الثمن، فإن ظهر بعد ذلك بإقرار البائع أو ببينة عليه أو بنكوله عن اليمين، فإما أن تظهر الخيانة في صفة الثمن، أو في قدره،

فإن ظهرت في صفة الثمن، كما لو اشترى سلعة نسيئة، ولم يخبر المشتري بذلك فله الخيار، إن شاء أخذ المبيع، وإن شاء رده لثبوت خيانته، وكذلك إذا لم يخبر أن الشيء المبيع كان بدل صلح، فللمشتري الثاني الخيار .

أما إذا ظهرت الخيانة في قدر الثمن، كأن للمشتري أيضاً الخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن، وإن شاء رده لفوات الرضا . وهذا عند الحنفية .

وذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يحط من الثمن مقدار الخيانة، وما يقابله من الربح، وليس للبائع خيار مطلقاً، وهل للمشتري الخيار، قولان عند المالكية والحنابلة، ولا خيار له عند الشافعية.


خلاصة القول مقابلاً بجنسه من أموال الربا:

هذه المرابحة غير المصرفية هي التي كانت سائدة في عصور الفقهاء القدامى وهي جائزة باتفاقهم، كما أنهم صنفوها ضمن بيوع الأمانات، أما المرابحة المصرفية أو المرابحة للآمر بالشراء فهي صورة استجدت وعملت بها المصارف الإسلامية.


الفرق بين المرابحة القديمة والمرابحة للآمر بالشراء:

1. السلعة في المرابحة القديمة تكون موجودة حاضرة لدى البائع مرابحة، وغير موجودة ولا حاضرة لديه في المرابحة للآمر بالشراء.

2. المرابحة القديمة تنعقد مرة واحدة في مجلس العقد، أما المرابحة للآمر بالشراء ففيها مرحلتان: مرحلة المواعدة، ومرحلة المعاقدة .

3. الثمن في المرابحة القديمة معلوم في المجلس، أما في المرابحة للآمر بالشراء فيكون الثمن مجهولاً؛ إذ لم يشتر المصرف السلعة بعد، ولم يعرف كلفتها أي: ثمنها الأول، مع العلم أن الوعد في المرابحة للآمر بالشراء قد أصبح ملزماً .

4. في المرابحة القديمة يكون البائع مرابحة قد اشترى السلعة لنفسه بلا ريب، سواء للانتفاع بها، أو للاتجار بها، وقد يمضي وقت بين شرائها وإعادة بيعها، أما في المرابحة للآمر بالشراء فلا يشتري المصرف السلعة إلا بناء على طلب العميل، ووعده بشراء السلعة، فهو يشتريها لا لكي ينتفع بها، بل ليعيد بيعها بمجرد حصوله عليها .

5. المرابحة القديمة قد تكون مرابحة حالَّة أو مؤجلة، أما المرابحة للآمر بالشراء فالغالب أنها مؤجلة، فالمصرف يشتري السلعة بثمن نقدي ليعيد بيعها بثمن مؤجل.


6 والمرابحة للآمر بالشراء:. المرابحة القديمة إذا كانت حالَّة فَرِبْحُ البائعِ فيها كله ربح نقدي لقاء جهده ووقته ومخاطرته، أما المرابحة المصرفية المؤجلة فَرِبْحُ المصرفِ فيها كله ربح ناشئ عن التأجيل، أي ربح في مقابل الأجل، ولو أراد المصرف الحصول أيضاً على ربح نقدي لارتفعت كلفة التمويل، وهذا يؤدي إلى إحجام الزبون عن التعامل معه.

7. المرابحة القديمة فيها خلاف بين الفقهاء حول ما يجب أن يدخل في الثمن الأول أو لا يدخل، من مصاريف وأجور وسواها، أما المرابحة للآمر بالشراء فالأمر فيها ههنا سهل؛ إذ كل التكاليف تدخل في الثمن الأول، وما يقال بعدم إدخاله في الثمن؛ كمصاريف التأمين مثلاً، يمكن إدخاله في الربح.

8. في المرابحة القديمة قد يكون البائع مرابحة أدخل على السلعة قيمة مضافة من إصلاح أو تصنيع أو مداواة أو خياطة أو صباغة، أما في المرابحة للآمر بالشراء فالمصرف لا يُدخل على السلعة أي إضافة، فهو تاجر يشتري السلعة ليعيد بيعها فوراً كما هي.

9. في المرابحة القديمة قد تكون السلعة قابلة للزيادة والنماء، كأن تكون حيواناً يسمن ويكبر ويلد، أو شجراً يثمر، أما المرابحة للآمر بالشراء فلا يتحمل المصرف مثل هذه المسؤوليات في التكاثر والعلف والنماء .


المرابحة المصرفية والمرابحة للآمر بالشراء:


سادساً : المرابحة المصرفية أو المرابحة للآمر بالشراء:

إن هذا النوع من المرابحة هو المهم في هذه الدراسة، كأسلوب من أساليب التمويل في المصارف الإسلامية، فضلاً عن أنه أكثر العقود التي تتعامل بها هذه المصارف، باعتبارها بديلاً شرعياً عما تقوم به البنوك الربوية.

تعريف المرابحة للآمر بالشراء :

أن يتقدم شخص إلى المصرف الإسلامي طالباً منه شراء السلعة المطلوبة بالوصف الذي يحدده الراغب، وعلى أساس الوعد منه بشراء السلعة اللازمة له فعلاً مرابحة بالنسبة التي يتفقان عليها، ويدفع الثمن مقسطاً حسب إمكانياته التي يساعده عليها دخله.


سابعاً : الخطوات التنفيذية لعقد المرابحة للآمر بالشراء:

يمكن تقسيم الخطوات التنفيذية لعقد المرابحة للآمر بالشراء على النحو التالي:

عملية المرابحة للآمر بالشراء النقدية أو المحلية لأجل:

وهي عملية المرابحة التي يقوم الآمر فيها بسداد كامل قيمة السلعة للمصرف بمجرد استلامها منه، وتتم هذه العملية وفق الخطوات الخمسة التالية:

1. طلب الشراء: يتقدم الآمر بطلب كتابي إلى المصرف الإسلامي يبين فيه نوع السلعة أو البضاعة أو الأثاث أو الأراضي أو العقار وغيرها التي يرغب في شرائها مبيناً جميع أوصافها تفصيلاً .

2. دراسة طلب الشراء: يقوم المصرف بدراسة الطلب دراسة دقيقة لكافة جوانب العملية، وتشمل التحقق من صحة البيانات المقدمة من الآمر، وعدم مخالفة العملية لأحكام الشريعة الإسلامية، وحساب التكاليف التقديرية للعملية، والضمانات التي يمكن للمصرف الحصول عليها من كفالة وغيرها.

3. إبرام عقد الوعد بالشراء: في حالة توصية دراسة العملية بالتنفيذ يوقع الآمر على عقد وعد بالشراء، وفيه يتحدد مكان التسليم وزمانه، وبيان احتساب تكلفة العملية، والضمانات المطلوبة منه ….، ويلتزم الطرفان بموجب هذا العقد الوفاء بوعده وتحمل تبعة النكوث.

4. شراء السلعة: يشرع المصرف في إجراءات شراء السلعة من المورد، ويتسلم المصرف أو مندوبه السلعة مقابل الحصول منه على فاتورة بيع نهائية لصالح المصرف

5. إبرام عقد البيع مع الآمر مرابحة: بعد تسلم المصرف للسلعة يتم عقد البيع بين المصرف والآمر على أن يفي الأخير بوعده، ويقوم بشراء السلعة ودفع ثمنها مرابحة من المصرف .


ثامناً : الحكم الشرعي في بيع المرابحة للآمر بالشراء :

اختلف العلماء المعاصرون في الحكم على هذه المعاملة، فمنهم من يقول بجوازها، ومنهم من يقول بتحريمها، وكل من الفريقين دعم قوله بأدلة حسب وجهة نظره، وذلك على النحو التالي:

أولاً: القائلون بجواز بيع المرابحة للآمر بالشراء مع كون الوعد ملزماً للمتعاقدين، قال به جمهور العلماء المعاصرين، منهم: يوسف القرضاوي، وسامي حمود، والصديق محمد الأمين الضرير، وعلي السالوس، وعبد الستار أبو غدة، وغيرهم.


وقد استدل هذا الفريق من أهل العلم على رأيه بأدلة كثيرة، منها :الأول: الأصل في المعاملات الإباحة:

أن الأصل في المعاملات والعقود الإذن والإباحة؛ إلا إذا جاء نص صحيح الدلالة يمنعه ويحرمه، فيوقف عنده.

حيث يجب أن يكون الدليل المحرم نصاً لا شبهة فيه كما هو اتجاه السلف الذين نقل عنهم ابن تيمية أنهم كانوا لا يطلقون الحرام إلا على ما علم جزماً.

ومن ثم كان كثير من أئمة السلف يقولون: أكره هذا الأمر، أو لا أراه، أو لا يعجبني، ونحوه، ولا يصرحون بالتحريم إلا فيما لا احتمال فيه.

وكيف لا وهم يقرأون قوله تعالى:} وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ{.

وقوله سبحانه:} قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آاللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ {.

إن كلمة "حرام" كلمة كبيرة وخطيرة، لأن معناها أن الله يعاقب على هذا الفعل بالنار، وهذا لا يجرؤ عليه مسلم يخشى الله تعالى، إلا أن يكون معه مستند لا يقبل الشك، وإلا كان قولاً على الله بغير علم.


الثاني: عموم النصوص الدالة على حل البيع:

قال تعالى: } وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا { فالآية الكريمة تدل دلالة واضحة على حل جميع أنواع البيع، سواء كان عيناً بعين (المقايضة)، أم ثمناً بثمن (الصرف)، أو ثمناً بعين (السلم)، أو عيناً بثمن (البيع المطلق)، وسواء كان حالاً أم مؤجلاً، نافذاً أو موقوفاً، وسواء كان بيعاً بطريق المساومة، أو المزايدة أم الأمانة.

وبيع الأمانة يشمل ثلاثة أنواع:

(1) المرابحة (هي البيع بزيادة على الثمن الأول) .

(2) التوليـة (هي البيع بالثمن الأول) .

(3) الوضيعة(هي البيع بأنقص من الثمن الأول) .

فهذه كلها وغيرها حلال؛ لأنها من البيع الذي أحله الله، ولا يحرم من البيوع إلا ما حرمه الله ورسوله بنص صريح محكم لا شبهة فيه

وقـال الإمـام الشافعي تفريعاً على قول الله تعالى:} وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ {:"فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر (أي التصرف) فيما تبايعا، إلا ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها. وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم محرم بإذنه، يدخل في المعنى المنهي عنه، وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى".


الثالث: المعاملات مبنية على مراعاة العلل والمصالح:

إن الشرع الحنيف لم يمنع من البيوع والمعاملات إلا ما اشتمل على ظلم، وهو أساس تحريم الربا والاحتكار والغش ونحوها، أو خيف منه أن يؤدي إلى نزاع وعداوة بين الناس، وهو أساس تحريم الميسر والغرر.

فالمنع معلل ومفهوم، وإذا فهمت العلة فإن الحكم يدور معها وجوداً وعدماً.

وهذا ما قرره الشاطبي في أن الأصل في المعاملات هو الالتفات إلى العلل والمصالح والمقاصد.

ومن ثَمَّ رأينا من الفقهاء – في عصر التابعين – من يجيز التسعير مع ما ورد فيه من الترهيب، التفاتاً إلى العلة والمقصد.

ورأيناهم يجيزون من البيوع والمعاملات ما فيه غرر يسير لا يفضي عادة إلى نزاع، مراعاة لعلة النص الناهي عن بيع الغرر، والتفاتاً إلى حكمته وقصده.

ومثل ذلك إجازتهم عقد الاستصناع – مع أنه بيع معدوم – لحاجة الناس إليه، وجريان العمل به، وقلة النزاع فيه.


الرابع: الحاجة إلى التيسير ورفع الحرج:

إن من مقاصد التشريع الإسلامي التيسير ورفع الحرج عن الناس، وقد تضافرت النصوص الشرعية على ذلك، فمنها قوله تعالى: } يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ، وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ {, وقوله تعالى:} يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ، وَخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا {

وقوله تعالى:} وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ {،

وقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى الأشعري رضي الله عنهما حين بعثهما إلى اليمن: " يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا"، وقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ".

يقول الدكتور يوسف القرضاوي: " إن جمهور الناس في عصرنا أحوج ما يكونون إلى التيسير والرفق، رعاية لظروفهم، وما غلب على أكثرهم من رقة الدين، وضعف اليقين، وما ابتلوا به من كثرة المغريات بالإثم، والمعوقات عن الخير.. لهذا كان أهل الفقه والدعوة ييسرون عليهم في مسائل الفروع، على حين لا يتساهلون في قضايا الأصول، ومن كان يعمل بالأحوط فهذا حسن؛ إذا كان ذلك لنفسه ولأولي العزم من المؤمنين، أما من كان يفتي الناس عامة، أو يكتب للجماهير كافة، فينبغي أن يكون شعاره التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير.


ثانياً: القائلون بتحريم بيع المرابحة للآمر بالشراء، وبأنه عقد باطل إذا كان الوعد ملزماً للمتعاقدين، وقد قال بهذا الرأي بعض العلماء المعاصرين منهم: محمد سليمان الأشقر، وبكر أبو زيد، ورفيق المصري وغيرهم.وقد استدل هذا الفريق من أهل العلم على رأيه بأدلة؛ أهمها:الأول: هذه المعاملة حيلة لأخذ الربا:

إن هذه المعاملة ليست بيعاً ولا شراءً، وإنما هي من باب الحيلة على الإقراض بفائدة، وقد أشار إلى هذه العلة المالكية، كقول ابـن عبـد البرّ في الكافي: " معناه أنه تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر منها، إلى أجل، بينهما سلعة محللة .

مثال ذلك : أن يطلب رجل من آخر سلعة يبيعها منه بنسيئة، وهو يعلم أنها ليست عنده، ويقول له: اشترها من مالكها هذا بعشرة، وهي عليَّ باثني عَشَر إلى أجل كذا. فهذا لا يجوز…".


الثاني: هذه المعاملة لم يقل بحلها أحد من الفقهاء:

إن الفقهاء الذين تحدثوا عن هذه المعاملة لم يقولوا بحلها، بل العكس فقد أفتوا بحرمتها، مع العلم أن بعض المعاصرين زعم أن المرابحة المصرفية عملية مستحدثة، إما لعدم اطلاعه على أقوال الفقهاء في هذا الباب، وإما لأنه أراد الذهاب فيها إلى مذهب آخر لا يوافق فيه مذاهبهم، فقد نص عليها فقهاء من مذاهب مختلفة كالحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة .. وكل من نص عليها حرمها.


الثالث: هذه المعاملة من بيوع العينة المنهي عنها:

إن هذه المعاملة تدخل ضمن بيوع العينة المنهي عنها، والتي يقصد منها التحيُّل للوصول إلى الربا. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عـن ذلك فقال:"إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم".

ووجه الدلالة أن بيع العينة أحد أسباب الذلة والهزيمة فهي حرام إذن، وتركها أحد أسباب العزة والكرامة.


الرابع: هذه البيعة تتضمن بيعتين في بيعة:

ذهب بعض العلماء إلى القول بأن هذه المعاملة تدخل تحت النهي عن بيعتين في بيعة، أو صفقتين في صفقة، في حالة الإلزام بالوعد في المرابحة المصرفية، أما في حالة عدم الإلزام بالوعد فإنها لا تدخل تحت هذا النهي.

وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: " من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا "، وروي عنه صلى الله عليه وسلم بلفظ " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة " ، وروى ابن مسعود رضي الله عنه: " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة ".


الخامس: هذه المعاملة من بيع ما لا يملك:

إن هذه المعاملة تدخل في بيع ما لا يملك، أو بيع ما ليس عند البائع و هو ما يسمى أيضاً بيع المعدوم، و هو بيع منهي عنه في أحاديث صحيحة للنبي، و المصرف الإسلامي يبيع للآمر ما لا يملكه من السلع التي يطلب منه شراءها من الداخل، أو استيرادها من الخارج.

السادس: هذه المعاملة مبنية على القول بوجوب الوفاء بالوعد:

إن هذه المعاملة مبنية على القول بوجوب الوفاء بالوعد قضاء و ديانة، أو أنـه ملزم ديانـة، و يجوز الإلزام به قضاء، و نحن لم نجد أحداً من العلماء السابقين أفتى بهذا القول، بعد التمحيص و بعد النقب في البحث، و نسب بعض المعاصرين هـذا الادعاء إلى المالكية و إلى ابن شبرمة القاضي منهم، و لا تصح هذه النسبـة.


القول الراجح : يملك:

الذي أراه راجحاً ما ذهب إليه القائلون بجواز بيع المرابحة للآمر بالشراء التي تسير المصارف الإسلامية المعاصرة عليها؛ باعتبارها بديلاً شرعياً عما تقوم به البنوك التجارية الربوية.

و هذه المعاملة جائزة شرعاً؛ لقوة أدلة هذا الفريق من أن حاجة الناس إلى التيسير و رفع الحرج، و أن المعاملات مبنية على مراعاة العلل و المصالح، وعموم النصوص الدالة على حل البيع، ولأن الأصل في المعاملات الإباحة.

• أما ما استدل به القائلون بتحريم بيع المرابحة للآمر بالشراء من أن هذه المعاملة حيلة لأكل الربا فغير صحيح؛ لأن المصرف الإسلامي يشتري حقيقة، ويبيع لغيره، كما يفعل أي تاجر.


يملك:وما قيل من أنها معاملة لم يقل بحلها أحد من فقهاء الأمة الأقدمين، فليس من الضروري في المعاملات العصرية أن نجد من فقهائنا السابقين من قال بحلها صراحة، ولكن هناك من قال بحل هذه المعاملة في الجملة، وإن خالف في بعض النتائـج أو التفاصيل، وذلك هو الإمام الشافعي في كتابه الأم حيث قال: "وإذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعة، فقال: اشترِ هذه وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال أربحك فيها بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعاً، وإن شاء تركه …".

• وما قيل من أنها من بيوع العينة المحرمة لا يعتبر تخصيصاً لعموم قوله تعالى (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)؛ لأن جعل المرابحة من بيوع العينة اجتهاد من قائله، اعتمد على سد ذريعة الفساد، وهذا الاجتهاد ظني، والآية القرآنية قطعية، والظني لا يخصص القطعي كما أن الاجتهاد لا يعد من مخصصات العام.

وما قيل حول الإلزام بالوعد، فالمسألة خلافية، وتعددت فيها وجهات النظر، وقد أخذ المجيزون بالقول بوجوب الوفاء بالوعد، وله أدلته المعتمدة.


وما قيل من أنها بيعتان في بيعة فغير مسلم؛ لأن الأحاديث التي تنهى عن بيعتين في بيعة لا تدل على المنع، والمصارف الإسلامية التي تتعامل بهذه المعاملة غير داخلة في المعنى المقصود من الأحاديث؛ لأن المراد بها النهي عن انعقاد عقد على ثمنين مختلفين لأجلين دون أن يحدد واحداً منهما، وهذا يؤدي إلى المنازعة والجهالة، أما إذا انعقد العقد على أحد السعرين فيجوز البيع، كأن يقول: بعتك نقداً بكذا، ونسيئة بكذا، فيقول: اشتريت، ولم يحدد.

وما قيل من أنها من بيع ما لا يملك فيه نظر؛ لأن المصارف الإسلامية التي تتعامل بهذه المعاملة لا تقع في النهي الوارد عن بيع ما ليس عند الإنسان؛ لأنها غالباً تعتمد على نموذجين: أحدهما للمواعدة، والآخر للمرابحة.


جاء في مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني المنعقد بالكويت جمادى الآخرة سنة1403هـ – مارس 1983م:

يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء، بعد تملك السلعة المشتراة، وحيازتها، ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق، هو أمر جائز شرعاً، طالما كانت تقع على المصرف الإسلامي مسئولية الهلاك قبل التسليم، وتبعة الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي.

وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزماً للآمر أو المصرف أو كليهما؛ فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واسقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل، وإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعاً، وكل مصرف مخيَّر في الأخذ بما يراه في مسألة القول بالإلزام، حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه.

وليس هذا التعامل من البيعتين في بيعة المنهي عنه؛ لأن النهي وارد على حالة كون القبول لإحدى البيعتين مبهماً أو معلقاً أو مجهولاً؛ فإنْ عيَّن المشتري إحدى البيعتين جاز، أو النهي وارد على حالة اشتراط بيعة أخرى؛ كأن يقول: بعتك منزلي على أن تبيعني فرسك.

بهذا يتبين أن بيع المرابحة للآمر بالشراء جائز شرعاً .

وقد ناقش العلماء المعاصرون هذه المعاملة مناقشة مستفيضة في عدد من المؤتمرات والندوات العلمية، وخرجوا بتوصيات، وأصدروا فتاوى، منها:


مما سبق يتبين انه لا بد من توفر ثلاثة ضوابط في هذه المعاملة، وهي:

1. أن لا يبيع البنك البضاعة إلاّ إذا قبضها، ودخلت في ضمانه، قبل أن يبيعها للزبون.

2. أن لا يكون الثمن في بيع المرابحة قابلاً للزيادة في حالة العجز عن السداد.

3. أن لا يكون بيع المرابحة ذريعة للربا؛ بأن يقصد المشتري الحصول على المال، ويتخذ السلعة وسيلة لذلك، حيث يقوم ببيعها فولا تسلمها للحصول على السيولة .

** ضوابط المرابحة للآمر بالشراء:


تؤكد الفتاوى والتوصيات الصادرة عن هيئات الرقابة الشرعية للمصارف الإسلامية وغيرها من فتاوى العلماء المعاصرين على أن بعض الموظفين في المصارف الإسلامية لا يطبقون الخطوات العملية الصحيحة لبيع المرابحة للآمر بالشراء، ولا يراعون الضوابط والشروط والأحكام الشرعية كما ينبغي، وهؤلاء يتحملون المسئولية أمام الله تعالى أولاً، ثم أمام كل من له ولاية الرقابة والتفتيش والتأديب في المصارف الإسلامية.

ونشير هنا إلى بعض المخالفات الشرعية التي يمكن أن تحدث في الممارسة الفعلية من التنفيذيين في بعض المصارف الإسلامية:

1. دفع ثمن البضاعة للمتعامل الآمر بالشراء، سواء نقداً أو إضافتها لحسابه، والاكتفاء بتقديم المتعامل فاتورة صادرة عن المورد باسم المصرف بقيمة السلعة، دون أي إبرام عقد بيع بين المصرف والمورد، ودون أن يقوم مندوب من المصرف باستلام السلعة باسم المصرف ثم تسليمها بعد ذلك للمتعامل الآمر بالشراء.

2. توقيع عقد بيع المرابحة مع الآمر بالشراء في نفس لحظة توقيعه للوعد بالشراء، وذلك قبل ورود السلعة وتملك المصرف لها.

تاسعاً: المخالفات الشرعية في التطبيق من موظفي المصارف الإسلامية:


3. تحلل المصرف تماماً من كافة مخاطر عملية المرابحة، فالسلعة مؤمن عليها وهي مشحونة، والآمر بالشراء يتسلمها لحظة الوصول، وقبل إبراء ذمة المصرف مـن جميع العيوب التي قد تكون بالسلعة، بناءً على أن الآمـر بالشراء هو صاحب علاقة مع المورد، وهو الذي حدده، والمصرف لا يتحمل تبعة عدم تنفيذ الوعد بورود البضاعة في الزمن المحدد مسبقاً؛ بَلْهَ امتناع المورد عن إرسالها أصلاً، ولا يلتزم المصرف بتعويض الآمر بالشراء عن أية أضرار قد تلحق به نتيجة لذلك، وأخيراً فإن الآمر بالشراء ملتزم بالوفاء بوعده بالشراء، والمصرف يعود عليـه بما قد يلحقـه من ضرر نتيجة نكوثه في وعده هذا، وهكذا انحصر دور المصرف في التمويل فقط، ولم يعد بائعاً حقيقيـاً يتحمل تبعـة البضاعة وتملكه لها بما يدر حصوله على الربح، طبقاً للقاعدة الشرعية : " الخراج بالضمان، والغنم بالغرم "

4. حساب التعويض عن التأخير في سداد الأقساط بطريقة " النمر " أي على أساس نصيب العائد المستحق عن المبلغ في المدة المتأخر فيها عن السداد، وليس على أساس تقدير الضرر الذي لحق بالمصرف مقابل هذا التأخير، والقطع بأن هذا التأخير كان بسبب المطل من المدين الموسر، دون البحث عن السبب الحقيقي لهذا المطل الذي قد يكون راجعاً لظروف خارجة عن إرادة المدين أو بسبب إعساره.

5. تمويل بعض الخدمات بالمرابحة، مثل دفع قيمة الجمارك، وخاصة في الحالات التي تكون فيها تلك القيمة مرتفعة قد تقارب أو تزيد عن ثمن السلعة ذاتها، أو مرابحة للآمر بالشراء على مصاريف التركيب للمعدات …. وكل هذا لا يصح شرعاً، لأن المرابحة بيع للسلعة، وليس بحال من الأحوال تمويلاً للخدمات.


6. المرابحة على مديونية ناشئة عن مرابحة سابقة، وصورتها أن يقوم البنك بالسداد الفوري للدائن بالمستحق له كثمن لسلعة، ثم بيعها بالمرابحة، مع دخول المصرف كدائن بدلاً من الدائن الأول لذات المدة أو أطول مقابل هامش ربح للمصرف يضاف على تلك المديونية، وواضح هنا أنه لا مجال لبيع حقيقي للسلعة، وإنما هي عملية شراء دين بهامش ربح، وهي عملية محرمة.

7. عدم التدقيق في بعض المعاملات التي يقصد الآمر بالشراء من ورائها الحصول على المال، ويتخذ السلعة وسيلة لذلك؛ ليبيعها إلى آ خر بثمن أقل.

وأخيراً نقترح العمل على إعداد الكوادر المصرفية الإسلامية وتعليمها المعارف الأساسية عن الجوانب الشرعية والقانونية للعقود المتعامل بها بجانب تدريبها على اكتساب المهارات المصرفية، مع تحديث تلك البرامج وتطويرها باستمرار لتواكب الجديد في الفن المصرفي، فضلاً عن حسن اختيار العناصر البشرية التي يتوفر فيها الوعي برسالة المصارف الإسلامية، وانتقاء القيادات المصرفية الإسلامية التي على مستوى الدور المأمول من المصارف الإسلامية.


21 مرابحة سابقة، وصورتها أن يقوم البنك بالسداد الفوري للدائن بالمستحق له كثمن لسلعة، ثم بيعها بالمرابحة، مع دخول المصرف كدائن بدلاً من الدائن الأول لذات المدة أو أطول مقابل هامش ربح للمصرف يضاف على تلك المديونية، وواضح هنا أنه لا مجال لبيع حقيقي للسلعة، وإنما هي عملية شراء دين بهامش ربح، وهي عملية محرمة.


الإجارة المنتهية بالتمليك مرابحة سابقة، وصورتها أن يقوم البنك بالسداد الفوري للدائن بالمستحق له كثمن لسلعة، ثم بيعها بالمرابحة، مع دخول المصرف كدائن بدلاً من الدائن الأول لذات المدة أو أطول مقابل هامش ربح للمصرف يضاف على تلك المديونية، وواضح هنا أنه لا مجال لبيع حقيقي للسلعة، وإنما هي عملية شراء دين بهامش ربح، وهي عملية محرمة.

1. تعريف الإجارة:

الإجارة لغة:اسم للأجرة، وهي كراء الأجير، فيقال الأجر جزاء العمل، والأجر والأجرة ما يعود من ثواب العمل دنيوياً أو أخروياً.

واصطلاحاً:"عقد على المنافع بعوض" أو"عقد على منفعة مقصودة معلومة مباحة قابلة للبذل والإباحة بعوض معلوم"

محترزات قيـود التعريف: خرج بقولهم " منفعـة " العيـن، فالعقد عليها بيع أو هبـة، وبقولهم: "مقصودة" المنفعة التافهـة، وبقولهم " معلومـة " المضاربـة والجعالة على عمل مجهول، أما قيد "قابلة للبذل والإباحة" لإخراج منفعة البُضْع، والقيد الأخيـر "بعوض" لإخراج هبة المنافع والوصية بها والشركة والإعارة.


2. مشروعية الإجارة: مرابحة سابقة، وصورتها أن يقوم البنك بالسداد الفوري للدائن بالمستحق له كثمن لسلعة، ثم بيعها بالمرابحة، مع دخول المصرف كدائن بدلاً من الدائن الأول لذات المدة أو أطول مقابل هامش ربح للمصرف يضاف على تلك المديونية، وواضح هنا أنه لا مجال لبيع حقيقي للسلعة، وإنما هي عملية شراء دين بهامش ربح، وهي عملية محرمة.

ثبتت مشروعية الإجارة بالأدلة الشرعية التالية:

ففي القرآن الكريم آيات عديدة، منها:

(1) قال تعالى : } فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ {.

(2) وقوله تعالى حاكياً قول إحدى ابنتي صالح مدين عليه السلام : } قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ* قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ { .

(3) وقوله تعالى:} فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ، قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا{ .

ووجه الاستدلال من هذه الآيات القرآنية هو جواز الإجارة ومشروعيتها ، وهي سنة عند الأنبياء .


أما السنة النبوية، فالأحاديث الدالة على مشروعيتها كثيرة ، منها :

1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يعط أجره ".

2- وما رواه ابن عباس رضي الله عنهما : " أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجام أجره ".

ومع هذا فليس المقصود هنا الحديث عن عقد الإجارة عند الفقهاء القدامى التي يطلق عليها لقب " الإجارة التشغيلية " ، وإنما المقصود هو الكلام عن الإجارة الحديثة، ويطلق عليها " الإجارة المنتهية بالتمليك " ، والتي تؤدي دوراً تمويلياً هاماً، كما أنها آخذة في التوسع والانتشار، سواء في المصارف الاسلامية، أو على المستوى الفردي .


3. حقيقة الإجارة المنتهية بالتمليك:

المقصود بالإجارة المنتهية بالتمليك:

قيام المصرف الإسلامي بتأجير عين إلى شخص مدة معينة، وقد تزيد الأقساط عن أجرة المثل، على أن يملكه إياها بعد انتهاء المدة، ودفعه للأقساط المحددة الآجال بعقد جديد. فإذا أدى المستأجر الأجر، انتقل الأصل المالي إلى ملك المستأجر في بيع بالمجان "هبة"، أو بثمن رمزي أو عند دفعه القسط الأخير.


4- أوجه الاتفاق والاختلاف بين الإجارة المنتهية بالتمليك وبيع التقسيط :

* إن الإجارة المنتهية بالتمليك تشبه بيع التقسيط من حيث المقصد الذاتي للمتعاقدين والنتيجة ، فالعاقدان يتفقان على إخفاء بيع التقسيط وإعلان الإجارة ، وتكون الأجرة بمثابة القسط الذي يدفعه الشخص في بيع التقسيط، كما يتفقان على أنه إذا وفَّى المشتري بالثمن كاملاً أصبحت الإجارة بيعاً ،وصارت العين المؤجرة ملكاً للمستأجر .

* وتختلف عن بيع التقسيط من حيث تكوينها، فهي تتكون من عَقْدين مستقلين، وهما:

الأول: عقد إجارة يتم ابتداء، وتأخذ كل أحكام الإجارة في تلك الفترة .

الثاني: عقد تمليك العين عند انتهاء المدة ، إما عن طريق الهبة، أو البيع بسعر رمزي، حسب الوعد المقترن بالإجارة .


* أوجه الاختلاف بين الإجارة المنتهية بالتمليك والإجارة العادية " التشغيلية " :

تختلف الإجارة المنتهية بالتمليك عن الإجارة التشغيلية من حيث اقتناء المصرف للعين المؤجرة؛ فإنه يقتنيها بعد أن يتقدم أحد الزبائن بطلب استئجار عين ما بقصد تملكها في النهاية، فيشتريها المصرف، ويقدمها للزبون، وتحسب الأجرة الإجمالية على أساس تكلفة السلعة بالإضافة إلى الربح، ثم تقسط تلك الأجرة الإجمالية على فترات يتفق عليها الطرفان، في حين أن العين في الإجارة التشغيلية قد تكون في ملك المصرف، وتحت يده قبل طلب الزبون إبرام عقد الإجارة.


5. الخطوات العملية للإجارة المنتهية بالتمليك:

أن يبدي الزبون رغبة في إجارة منتهية بالتمليك لعين غير موجودة لدى المصرف الإسلامي؛ كسيارة أجرة مثلاً .

يقوم المصرف بدراسة المعاملة، فإذا وافق قام بشراء السيارة من البائع.

المصرف يوكل الزبون باستلام السيارة، ويطلب منه إشعاره بأنه قد استلمها حسب المواصفات المحددة في العقد .

المصرف يؤجر السيارة للزبون بأجرة محددة لمدة معينة، ويعده بتمليك السيارة له إذا تم سداد جميع أقساط الأجرة عن طريق الهبة، أو عن طريق البيع بسعر رمزي .

عند انتهاء مدة الإجارة والوفاء بسداد الأقساط المحددة يتنازل المصرف للزبون عن السيارة بعقد هبة أو بيع بسعر رمزي.


6. التكييف الفقهي للإجارة المنتهية بالتمليك:

الناظر في حقيقة هذه المعاملة يجد أنها تجمع عدة عناصر، وهي :

أ . بيع بالتقسيط لا تنتقل فيه الملكية إلا بعد الوفاء بالأقساط .

ب. الإجارة مع وعد ملزم بالتمليك للعين المؤجرة للمستأجر بهبة أو بيع.

ت. اجتماع عدة عقود في هذه المعاملة كالإجارة والبيع والوعد

ث. عقد إجارة في المدة المحددة.


7. الحكم الشرعي في الإجارة المنتهية بالتمليك:

إن هذه المعاملة تجمع بين عدة عناصر، ولبيان الحكم الشرعي لابد من الخوض في كل عنصر من العناصر السابقة، ولكن سنكتفي ببيان العنصر الأول، وأحيل الإخوة القراء إلى الكتب التي تتحدث عن الإجارة المنتهية بالتمليك .

وحكم العنصر الأول، وهو اشتراط عدم نقل ملكية المبيع إلا بعد الوفاء بسداد جميع الأقساط الإيجارية، قد اختلف الفقهاء فيه لوجود شرط غير ملائم للعقد؛ لأن الأصل في البيع أن يكون باتاً، فتعليق البيع على هذا الشرط لا يوافق عليه أكثر العلماء؛ لأنه منافٍ لتمام الملكية التي يبني عليها البيع، وفيه جهالة بالمال، وهو يتخرج على الخلاف في الشروط، فتكون فيه أقوال :


القول الأول: المنتهية بالتمليك:

ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز اشتراط عدم نقل الملكية في المبيع إلا بعد الوفاء بجميع الثمن؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، فالبيع يقتضي نقل ملكية المبيع إلى المشتري .

القول الثاني:

وذهب بعض العلماء، ومنهم الحنابلة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، إلى جواز هذا الشرط؛ لأن الأصل في العقود والشروط الإباحة؛ عملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " المسلمون على شروطهم " .

والراجح ما ذهب إلية أصحاب القول الثاني من جواز اشتراط هذا الشرط في العقد؛ لأن المبيع بمنزلة الرهن هنا، فتنقص ملكية المبيع للبائع حتى يستوفي جميع الثمن، وهو شرط يحقق غرضاً مشروعاً للبيع، فلا مانع منه شرعاً.


وبهذا يتبين أن هذه المعاملة جائزة شرعاً، وقد أجازها الفقهاء في الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي المنعقدة في الكويت 7-11 /3/1987م، حيث اعتبرتها إجارة وهبة مع مراعاة الضوابط التالية:

ضبط مدة الإجارة وتطبيق أحكامها عليها طيلة تلك المدة .

تحديد مقدار كل قسط من أقساط الأجرة .

نقل الملكية إلى المستأجر في نهاية المدة بواسطة هبتها له تنفيذاً لوعد سابق بذلك بين البنك ( المالك) والمستأجر.


تعريف الشركة: جائزة شرعاً، وقد أجازها الفقهاء في الندوة الفقهية الأولى لبيت التمويل الكويتي المنعقدة في الكويت 7-11 /3/1987م، حيث اعتبرتها إجارة وهبة

الشركة لغة:الاختلاط؛ أيْ خلط أحد المالين بالآخر بحيث لا يمتازان عن بعضهما.

الشركة شرعاً: ثبوت الحق في شئ لاثنين فأكثر على جهة الشيوع.

أو "عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح " .

والشركة مشروعة في الإسلام بدليل قوله تعالى: }وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ{.

وجاء في الحديث القدسي فيما يروى عن أبي هريرة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل يقول: " أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما ".


حقيقة المشاركة المنتهية بالتمليك "المتناقصة":

حقيقة المشاركة المنتهية بالتمليك هي :

"شركة يعطي المصرف فيها الحق للشريك في الحلول محله في الملكية دفعة واحدة، أو على دفعات حسبما تقتضيه الشروط المتفق عليها".


أوجه الاتفاق والاختلاف بين المشاركة المنتهية بالتمليك وبين الشركة الدائمة:

تتفق الشركة المتناقصة مع الشركة الدائمة من حيث إن المصرف الذي يأخذ صفة الشريك يتمتع بكامل حقوق الشريك في الشركة الدائمة، وعليه جميع التزامات الشريك .

وتختلف عن الشركة الدائمة في عنصر الدوام والاستمرار، فالمصرف في المشاركة المنتهية بالتمليك لا يقصد الاستمرار في الشركة، بل يعطي الحق للشريك الآخر في الحلول محله في ملكية المشروع، في حين أن المصرف في الشركة الدائمة يقصد الاستمرار في الشركة حتى نهايتها وتصفيتها.


الخطوات العملية للمشاركة المنتهية بالتمليك:

1. أن يتقدم الزبون بطلب للمصرف الإسلامي المشاركة في مشروع استثماري مشاركة منتهية بالتمليك، ويرفق معه دراسة جدوى اقتصادية للمشروع، والوثائق اللازمة؛ كسند ملكية أرض مثلاً وغيرها .

2. يقوم المصرف بدراسة المعاملة، والتحقق من المرفقات السابقة .

3. إذا وافق المصرف على المشاركة تحدد الأمور التالية:

أ‌. قيمة التمويل الذي يقدمه المصرف ، وكيفية الدفع وشروطه .

ب‌. تحديد الضمانات المطلوبة من رهن عقار مثلاً لصالح المصرف، وغيره .

ت‌. كتابة العقد والتوقيع عليه.

ث‌. فتح حساب خاص بالشركة .

ج‌. توزيع الأرباح يكون بحسب الاتفاق، والخسارة بقدر رأس المال .


4 المنتهية بالتمليك:. المصرف يقبل التنازل عن حصته في المشروع للشريك جزئياً أو كلياً، ويوجد لذلك عدة صور:

أن يتفق المصرف مع الشريك على أن يكون حلول هذا الشريك محله بعقد مستقل بعد نهاية الشركة، وبحيث يكون لهما حرية كاملة في التصرف ببيع حصصه لشريكه أو لغيره.

أن يتفق المصرف مع الشريك على أن يقسم الربح ثلاثة أقسام بنسبة متفق عليها، حصة للمصرف كعائد تمويل، وحصة للشريك الآخر كعائد لما دفعه، وما يقوم به من عمل، وحصة ثالثة لسداد تمويل المصرف .

أن يتفق المصرف مع الشريك على تقسيم رأس المال إلى حصص أو أسهم، لكل منها قيمة معينة، ويحصل كل منهم على نصيبه من الأرباح، وللشريك شراء ما يستطيع من أسهم المصرف كل سنة؛ بحيث تتناقص أسهم المصرف وحصته في حين أن أسهم الشريك تزيد إلى أن يمتلك جميع أسهم المصرف ملكية كاملة.


وقد طبقت هذه المشاركة المنتهية بالتمليك لأول مرة في مصر عندما شارك أحد فروع المعاملات الإسلامية في بنك تجاري شركة سياحية كبرى في شراء أسطول نقل بري سياحي لنقل أفواج السياحة بين القاهرة وأسوان، وكان ثمن السيارات وقتئذ ثلاثة ملايين وثلاثة أرباع المليون جنيه تسدد على خمس سنوات بواقع ثلاثة أرباع مليون جنيه كل سنة .

ولما كانت شركة السياحة تملك ورش الصيانة والجهاز الفني لإدارة هذا الأسطول، فكان توزيع الربح كالتالي : -

15% من صافي الربح مقابل العمل والإدارة .

85% من صافي الربح، توزع في السنة الأولى بنسبة أربعة للمصرف، وواحد لشركة السياحة، وكلما دفع قسطاً نقص نصيب المصرف بنفس نسبة نقص نصيبه في التمويل، وزاد نصيب شركة السياحة .


وقد انتهت هذه العملية بأن أصبحت السيارات ملك شركة السياحة بعد تمام السداد، مع العلم أن دراسة الجدوى لهذه العملية كانت تشير إلى احتمال تحقيق ربح صافٍ سنوياً لا يقل عن 40 % من رأس المال.

وقد ابتكرت المصارف الإسلامية هذا الشكل من أشكال التمويل بالمشاركة انطلاقاً من سعيها لمساعدة الحرفيين والمهنيين والمزارعين في امتلاك أدوات وماكينات وورش حدادة ونجارة، وإعانة السائقين في امتلاك سيارات الأجرة وغيرهم.


تطبيقات حسابية على الشركة المتناقصة:

لو فرضنا أن المصرف اشترى سيارة أجرة وحازها إلى مخازنه بتسعة آلاف دينار (9000 )، فدفع الشريك 25% من رأس مالها ثم قدمت للعامل ليعمل عليها حسب الشروط التالية :

1- أن يكون للعامل 50 % من الأرباح .

2- يكون للمصرف 20 % من صافي الأرباح التي تحققت نتيجة العمل .

3- يجنب 30 % في حساب خاص لإطفاء رأس المال، حتى يبلغ (9000 دينار)، وعندها يتنازل المصرف عن ملكيته للسيارة لصالح المشارك.

ولو فرضنا أن الأرباح المتحققة شهرياً تساوي ستمائة دينار فإن :

9000 - 2250 ( قيمة مشاركة العامل ) = 6750 دينار

نصيب المصرف من عوائد العمل = 120 ديناراً شهرياً .

والعامل له ( 300) دينار

ويجنب (180) دينار في حساب إطفاء رأس مال المصرف

وعليه فإنه بالحساب نجد أن العامل يتملك السيارة بعد سبعٍ وثلاثين شهراً ونصف.


التكييف الفقهي للمشاركة المنتهية بالتمليك:

مما سبق يتبين أن المشاركة المنتهية بالتمليك تتضمن العناصر التالية :

أ . شركة عنان.

ب. وعد من المصرف ببيع حصته للشريك .

ت. بيع المصرف حصته للشريك كلياً أو جزئياً .


الحكم الشرعي في المشاركة المنتهية بالتمليك:

هذه المعاملة تجمع بين عناصر جائزة شرعاً، وذلك لقيام نظامها على أساس قواعد الشريعة الإسلامية في توزيع الربح والخسارة، وليس فيها ما يخالف نصاً شرعياً، ولا يناقض قاعدة كلية عامة .

وقد أجاز الفقهاء المعاصرون في مؤتمر المصرف الإسلامي المشاركة المنتهية بالتمليك، واشترطوا لها الشروط التالية :-

ألا تكون المشاركة المتناقصة مجرد عملية تمويل بقرض، بل لا بد من إيجاد الإدارة الفعلية للمشاركة، وأن يتحمل جميع الأطراف الربح والخسارة.

أن يمتلك البنك حصته في المشاركة ملكاً تاماً، وأن يتمتع بحقه الكامل في الإدارة والتصرف، وفي حالة توكيل الشريك بالعمل يحق للبنك مراقبة الأداء ومتابعته .

أن لا يتضمن عقد المشاركة المتناقصة شرطاً يقضي برد الشريك إلى البنك كامل حصته في رأس المال، بالإضافة إلى ما يخصه من أرباح لما في ذلك من شبهة الربا.


أولاً: المضاربة المشتركة: المنتهية بالتمليك:

1. تعريف المضاربة:

المضاربـة لغـة:من الضرب، وهو السير في الأرض، كقوله تعالى: } وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا ، إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينا ً{. أو للسفر بغرض التجارة وابتغاء الرزق، كقوله تعالى: } وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّه{.

وشرعاً: هي "أن يدفع المالك إلى العامل مالاً ليتجر فيه، ويكون الربح مشتركاً بينهما بحسب ما شرطا ".

وأما الخسارة فهي على رب المال وحده، ولا يتحمل العامل المضارب من الخسران شيئاً، وإنما هو يخسر عمله وجهده.


واتفق أئمة المذاهب على جواز المضاربة بأدلة شرعية كثيرة؛ منها :

قال تعالى:وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ{

وقولـه تعالـى:} فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُـوا مِنْ فَضْـلِ اللَّهِ{.

فهذه الآيات بعمومها تتناول إطلاق العمل في المال بالمضاربة.


حقيقة المضاربة المشتركة: المضاربة بأدلة شرعية كثيرة؛ منها :

المضاربة المشتركة:

هي أن يعرض المصرف الإسلامي باعتباره مضارباً على أصحاب الأموال استثمار مدخراتهم لهم كما يعرض المصرف على أصحاب المشروعات الاستثمارية استثمار تلك الأموال، على أن توزع الأرباح حسب الاتفاق بين الأطراف الثلاثة.


أوجه الاختلاف بين المضاربة المشتركة والمضاربة الفردية " الثنائية ".

تختلف المضاربـة المشتركـة عـن المضاربـة الفرديـة "الثنائيـة" من عدة وجوه وهي:

المضاربة المشتركة لها ثلاثة أطراف، وهم: صاحب المال، والمضارب المستثمر، والمصرف الإسلامي، وجميعهم يستحقون الأرباح إن حصلت، في حين أن المضاربة الفردية لها طرفان، هما: صاحب المال، والمضارب المستثمر.

المضاربة المشتركة تتصف بالجماعية، وتتمثل في الخلط المتلاحق للأموال المستثمرة في المضاربة، أما الفردية فليس فيها خلط.

المضاربة المشتركة تقوم على استمرارية الشركة؛ لأن من صفاتها ما تنتهي بسنة، ومنها ما يحتاج إلى أكثر من سنة. أما الفردية تنتهي بانتهاء الصفقة .

المضاربة المشتركة يضمن فيها رأس المال، في حين أن ضمان رأس المال في المضاربة الفردية يفسدها.


الخطوات العملية لمراحل تنفيذ المضاربة المشتركة:

يتقدم أصحاب رؤوس الأموال بمدخراتهم بصورة فردية إلى المصرف الإسلامي؛ وذلك لاستثمارها في المجالات المناسبة.

يقوم المصرف بدراسة فرص الاستثمار المتاحة والمرشحة للتمويل.

يخلط المصرف أموال أصحاب رؤوس الأموال، ويدفع بها إلى المستثمرين كلٍّ على حدة، وبالتالي تنعقد مجموعة من شركات المضاربة الثنائية بين المصرف والمستثمر.

تحتسب الأرباح في كل سنة بناءً على ما يسمى بالتنضيض التقديري أو التقويم لموجودات الشركة بعد حسم النفقات.

توزع الأرباح بين الأطراف الثلاثة، صاحب رأس المال، والمصرف، والمضارب.


التكييف الفقهي للمضاربة المشتركة:

إن المضاربة المشتركة تتضمن جميع السمات الأساسية التي تتسم بها المضاربة في الفقه الإسلامي؛ من اعتبار رأس المال أحد أركانها، يدفعه شخص أو أشخاص إلى المضارب ليعمل فيه برأيه وخبرته، ويشترط في رأس المال معلوميـة مقداره .

ومن خلال عرضنا السابق لأوجه الاختلاف بين المضاربة المشتركة والمضاربة الفردية وجدنا عدة فوارق، وهي:

أ . خلط أموال المضاربة المشتركة.

ب. احتساب الربح بناءً على التنضيض التقديري.

ت. حكم دخول المصرف الإسلامي كعنصر جديد .

ث. جواز انسحاب أحد الشركاء من المضاربة المشتركة.

ج. ضمان رأس مال المضاربة المشتركة.


الحكم الشرعي في المضاربة المشتركة:

أولاً: حكم خلط أموال المضاربة المشتركة:

تقوم المضاربة المشتركة على أساس الخلط المتلاحق لأموال المودعين مع بقاء الأمور على حالها دون تنضيض أو تصفية حساب، فيؤدي ذلك إلى مشاركة المال اللاحق للمال السابق في الربح أو الخسارة.ومثال ذلك: أن يضارب المصرف بألف دينار لزيد، فيخسر مائة دينار، ويضارب بألف أخرى لعمرو بعد شهر فيربح مائتي دينار، فيشترك زيد وعمرو في الربح بعد جبران الخسارة. ففي ذلك إشكال فقهي، فما الحل ؟

إن الحكم الشرعي في المضاربة المشتركة يتوقف على بيان الأحكام الشرعية في الفوارق، وفيما يلي بيانُ تلك الأحكام:


الجواب: المشتركة:

يجوز خلط أموال المضاربة بشرط الإذن الصريح أو التفويض العام، لأن الإنسان يملك التصرف في ماله بجبر خسارة شريكه، ولا إشكال في ذلك، ولكن ينبغي أن يراعى في توزيع الأرباح المدة الزمنية للوديعة، فربح ألف دينار – مثلا ً- أودعها صاحبها أول السنة المالية للمصرف يختلف عن ربح ألف دينار أخرى أو دعها صاحبها في منتصف السنة، وبذلك نتجنب الحرام أو أكل أموال الناس بالباطل.


ثانياً: حكم المشتركة:التنضيض التقديري :

بالتنضيض يظهر الربح في المضاربة، ولكن المضاربة المشتركة التي تقوم على أساس الخلط المتلاحق لأموال المضاربة يصعب فيها التنضيض الحقيقي، فهل يمكن أن يصار إلى التنضيض التقديري في نهاية كل مدة مع الاستمرار في المضاربة المشتركة دون فسخ لها، فتوزع الأرباح في نهاية كل سنة، ولو لم تنته المشاريع التي أسهم فيها المصرف الإسلامي؟

الجواب:إن التنضيض التقديري أمر جائز، فتقدر نسبة الأرباح في كل سنة بالنسبة إلى رأس المال، وتوزع على أصحاب الأموال بحسب كل مال وفترة استثماره عملاً بقاعدة: "إذا ضاق الأمر اتسع" .


ثالثاً: حكم انسحاب أحد الشركاء من المضاربة المشتركة جزئياً:

ذلك بأن يسحب أحد الشركاء من المضاربة المشتركة جزءاً من مال وديعته، أو يحوله إلى حساب آخر قبل موعد استحقاق الربح المتفق عليه، فيفقده نصيبه من الأرباح عن كامل وديعته من تاريخ السحب أو القيد لحساب آخر، وإذا رغب المستثمر في استثمار باقي المبلغ اعتبر هذا الباقي بمثابة وديعة جديدة يحق لها المشاركة في الأرباح اعتباراً من التاريخ الجديد للإيداع، وليس من تاريخ الوديعة السابقة.

إذا جاز أن يفقد المودع المستثمر حقه عند السحب الكلي للوديعة قبل موعد استحقاق الربح، فإنه لا يجوز أن نسلم بإسقاط حقه في الربح عن الجزء المتبقي في المضاربة إذا كان السحب جزئياً، لأن سحب البعض يفسخ العقد في هذا الجزء المسحوب فقط أما الجزء المتبقي فلا يفسخ العقد، و يبقى حقه في الربح ثابتاً من تاريخ إيداعه.


رابعاً: حكم دخول المصرف الإسلامي كعنصر جديد في المضاربة المشتركة واستحقاق الربح:

اتفق العلماء المعاصرون على جواز دخول المصرف الإسلامي كعنصر جديد في المضاربة، واختلفوا في تحديد علاقته بكل من أصحاب الأموال والمستثمرين، فمنهم من اعتبر المصرف مضارباً مضاربة مطلقة، وأصحاب الأموال هم أرباب المال، فيصرف المصرف في أموالهم كمضارب يعطي تلك الأموال إلى غيره مضاربة بمقتضى المضاربة المطلقة أو التفويض العام، فيجوز للمصرف الإسلامي أن يعطي المال لغيره مضاربة، و يستحق على عمله الربح.


و منهم من اعتبر أن المصرف الإسلامي وكيل عن أصحاب الأموال، وهو ليس عنصراً أساسياً في عقد المضاربة؛ لأنه ليس هو صاحب رأس المال و لا المستثمر، وإنما يتركز دوره في الوساطة بين الطرفين، وهذه الوساطة التي يمارسها المصرف تعتبر خدمة محترمة يقدمها المصرف لرجال الأعمال، ومن حقه أن يطلب مكافأة عليها على أساس الجُعالة.

و ذهب بعضهم إلى أن المصرف له صفة مزدوجة تتمثل في كونه مضارباً مرة، وربَّ مال مرة أخرى، فبالنظر إلى علاقة المصرف بأصحاب رؤوس الأموال يكون مضارباً، وبالنظر إلى علاقته مع المستثمرين يكون رب مال.


خامساً: حكم ضمان رأس مال المضاربة المشتركة:

لا يجوز شرعاً ضمان رأس مال المضاربة المشتركة، وإنما نستطيع تخريج ضمان رأس المال على أساس التكافل الاجتماعي بين المستثمرين، فينشأ صندوق تأمين تعاوني إسلامي يقوم على أساس اقتطاع جزء من أرباح المضاربة لمواجهة مخاطر الاستثمار، وهذا جائز شرعاً؛ اعتماداً على قول بعض فقهاء المالكية بجواز اشتراط جزء من ربح المضاربة لغير رب المال، والمضارب فيه؛ لأنه من باب التبرع .

وبناءً عليه فإن المضاربة المشتركة جائزة شرعاً مع مراعاة الفروق سابقة الذكر التي بينَّا جوازها شرعاً .


ثانياً: المضاربة المنتهية بالتمليك

1. حقيقة المضاربة المنتهية بالتمليك :

و هي المضاربة التي تنشأ بين المصرف الإسلامي و المضارب، بحيث يدفع المصرف المال و يقوم المضارب بالعمل، و يعطي المصرف فيها الحق للمضارب في الحلول محله دفعة واحدة، أو على دفعات، حسبما تقتضيه الشروط المتفق عليهـا، أو يقدم المصرف أداة الإنتاج لمن يعمل عليها بجزء شائع من الناتج على أن يجنب نصيب العامل، أو جزء منه حسب الاتفاق إلى أن يبلغ قيمته تلك الأداة.

فهي تشبه في خطواتها المشاركة المنتهية بالتمليك، إلا أن الشريك في المضاربة المشتركة لا يشارك بشيء في رأس المال، و إنما يشارك في عمله، ويحاول شراء حصة المصرف شيئاً فشيئاً (بالإطفاء التدريجي)، فلا يختلف حكمها عن حكم المشاركة المنتهية بالتمليك، و هو الجواز شرعاً.


تطبيقات حسابية على المضاربة المنتهية بالتمليك:

لو فرضنا أن المصرف اشترى سيارة أجرة بمبلغ (9000) دينار، ثم قدمها لمن يعمل عليها حسب الشروط التالية:

أن يكون للمصرف 20 % من صافي الأرباح التي تتحقق نتيجة العمل على السيارة.

يكون للعامل 50 % من الأرباح.

يجنب 30 % من العوائد في حساب خاص حتى يبلغ (9000) دينار وعندهـا يتنازل المصرف عن ملكيته للسيارة لصالح العامل المضارب.

فلو فرضنا أن الأرباح المتحققة شهرياً تساوي (600) دينار، فيكون نصيب المصرف (120) دينار شهرياً، و نصيب العامل (300) دينار، و المجنب في الحساب ( 180) دينار، و بالحساب نجد أنه يحتاج إلى خمسين شهراً لتملك السيارة، 180 × 50 = 9000 دينار.


عقد الاستصناع وتطبيقاته في أعمال التمويل والاستثمار التي تقوم بها المصارف الإسلامية


تعريف عقد الاستصناع التمويل والاستثمار التي تقوم بها المصارف الإسلامية

تعريف الاستصناع لغة:

الاستصناع لغة طلب صنع الشيء، يقال اصطنع فلان خاتماً إذا سأل رجلاً أن يصنع له خاتماً.

والصِناعة بالكسر: حرفة الصانع وعمله والصنعة، وأيضاً هي ما تستصنع من أمر.

تعريف الاستصناع شرعاً:

جعل الحنفية ـ عدا زفر ـ الاستصناع عقداً مستقلاً يختلف عن السلم، وقد عرفوه بالحد ومنهم من عرفه بالرسم.

أما تعريفهم للاستصناع بالحد فقد اختلفت عبارتهم في هذا النوع من البيع، فعرفوه بعدة تعريفات منها:


أ. قال في بدائع الصنائع: هو عقد على مبيع في الذمة.

ب. أما ابن عابدين فقال: هو طلب العمل من الصانع في شيء خاص على وجه مخصوص.

ج. ونقل عن آخرين: هو عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل.

ملاحظة:

التعريف الأول يقتضي أن الصانع لو أحضر عيناً كان صنعها قبل العقد ورضي به المستصنع جاز، ولو كان شرط العمل في نفس العقد لما جاز؛ لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي.

أما التعريفان الأخيران فهما أصح من التعريف الأول؛ لأن


الاستصناع طلب الصنع، فما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعا، فكان مأخذ الاسم دليلاً عليه، ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلفاً، وهذا العقد يسمى استصناعاً، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل، وأما إذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد ورضي به المستصنع جاز بالعقد عقد آخر وهو التعاطي بتراضيهما لا بالعقد الأول.

وأما تعريف الاستصناع بالرسم فقد ذكر فقهاء الحنفية له أيضاً عدة تعريفات منها:

أ. أن يقول لصاحب خف أو مكعب أو صفاراً صنّع لي خفاً طوله كذا وسعته كذا أو دستاً أي برمة تسع كذا ووزنها كذا على هيئة كذا بكذا ويعطي الثمن المسمى أو لا يعطي شيئاً فيقبل الآخر منه.


ب. أن يقول إنسان لصانع من خفاف أو صفّار أو غيرهما: اعمل لي خفاً أو آنية من أديم أو نحاس من عندك بثمن كذا ويبين نوع ما يعمل وقدره وصفته فيقول له الصانع : نعم.

ملاحظة:

ما ذكر هنا من صور للصناعات كصناعة الخف أو الدست و نحو ذلك على سبيل المثال لا الحصر في زمن الفقهاء القدامى، أما في وقتنا الحاضر فتقدمت الصناعات وأصبح الناس يستصنعون الطائرات والبواخر والسيارات وغيرها من الصناعات الحديثة.


صورة الاستصناع: صفّار أو غيرهما: اعمل لي خفاً أو آنية من أديم أو نحاس من عندك بثمن كذا ويبين نوع ما يعمل وقدره وصفته فيقول له الصانع : نعم.

من خلال تعريف الاستصناع بالرسم تتضح صورة الاستصناع وهي: أن يقول إنسان ويسمى (المستصنع) لشخص آخر ويسمى (الصانع): اصنع لي أثاث منزل مع بيان جميع المواصفات والمقاييس التي يريدها المستصنع بثمن كذا في مدة شهر مثلاً فيقبل الصانع بذلك وكان الخشب من النجار، أما إذا كان الخشب من المستصنع فهو إجارة.


حكمة مشروعية الاستصناع: صفّار أو غيرهما: اعمل لي خفاً أو آنية من أديم أو نحاس من عندك بثمن كذا ويبين نوع ما يعمل وقدره وصفته فيقول له الصانع : نعم.

الاستصناع يحقق رغبات الناس ومتطلباتهم من صانع ومستصنع نظراً لتطور الصناعات تطوراً كبيراً فالصانع يحتاج إليه لإنجاز العمل والإنتاج والاكتساب، والمستصنع يحتاج إليه للحصول على مصنوعات خاصة من جنس محدد وصفات معينة وقلما يجد ذلك مصنوعاً وجاهزاً في الأسواق فيذهب إلى من لديه الخبرة والابتكار لاستصناعه.


تكييف عقد الاستصناع ومذاهب الفقهاء في مشروعيته وحكمته

أولاً: مذاهب الفقهاء في مشروعيته وتكييفه:

اتفق الفقهاء على أن عقد السلم جائز شرعاً واختلفوا في عقد الاستصناع إلى رأيين هما:

الرأي الأول: ذهب جمهور الفقهاء وهم المالكية والشافعية والحنابلة وزفر من الحنفية إلى أن الاستصناع بشروط السلم صح وكان سلماً.

الرأي الثاني: ذهب الحنفية ـ عدا زفر ـ إلى صحة الاستصناع وأنه ليس سلماً ولا يجب فيه مراعاة أحكام السلم.

لكنهم اختلفوا فيما بينهم في تكييف الاستصناع، أهو بيع أم وعد بالبيع أم إجارة،


وإذا كان بيعاً هل المبيع هو العين المصنوعة أو العمل الذي قام به الصانع ؟

والراجح عند الحنفية أن الاستصناع هو عقد بيع للعين المصنوعة لا لعمل الصانع، وهو ليس وعداً ببيع ولا إجارة على العمل.

ولكن الصحيح أن الاستصناع عقد جديد مستقل ليس بيعاً ولا وعداً ولا إجارة ولا سلماً وإن كان له شبه بالبيع وبالإجارة وبالسلم، فلا يعد بيعاً؛ لأن البيع لا يتضمن عملاً، ولا إجارة؛ لأن الإجارة لا تتضمن تقديم أعيان.


سبب خلاف الفقهاء في عقد الاستصناع:

يرجعسبب الخلاف بين الفقهاء في جواز عقد الاستصناع وعدمه

إلى خلافهم في وصفه، فمنهم من رأى أنه يشبه السلم بشروطه، ومنهم من رأى أنه عقد جديد مستقل.

  • الأدلة:

  • أولاً: أدلة الجمهور:

  • عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم:“ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ“.

  • وجه الدلالة: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع الدين بالدين، والاستصناع بيع مؤجل بمؤجل، فالبيع مؤجل في الذمة وكذا الثمن، ولا يصحبيعه إلا بقبض الثمن في المجلس.


2 الاستصناع:. عن حكيم بن حزام قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، ابتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال: ”لا تبع ما ليس عندك“

وجه الدلالة:

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المعدوم؛ لأنه ما لا يملكه الإنسان لا يقدر على تسليمه، والاستصناع بيع معدوم فحرام شرعاً.

أدلة الحنفية:

استدل الحنفية على جواز عقد الاستصناع بعدة أدلة أهمها:

1. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اصطنع خاتماً من ذهب وكان يلبسه فيجعل فصه في باطن كفه، فصنع الناس خواتيم ثم إنه جلس على المنبر فنزعه فقال: إني كنت ألبس هذا الخاتم واجعل فصه من داخل فرمى به ثم قال: ”لا والله لا ألبسه أبدا، فنبذ الناس خواتيمهم“.


2. عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورق يوماً واحداً ثم أن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم“.

وجه الدلالة:

الحديثان يدلان دلالة صريحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم استصنع خاتماً من ذهب ثم رماه ولبس خاتماً من فضة، وكذا الصحابة رضوان الله عليهم فعلوا ذلك.


3 رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورق يوماً واحداً ثم أن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم“.. يجوز الاستصناع استحساناً؛ لإجماع الناس على ذلك؛ لأنهم يتعاملون بذلك في سائر الأعصار من غير نكير.

يقول الزرقا: ” ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم، هذا النص عام في منع كل أنواع البيع التي لا يكون المبيع فيها موجوداً في ملك البائع سوى السلم الذي استثناه لما فيه من مصلحة باستلاف الثمن للاستعانة على الإنتاج، فعقد الاستصناع يشمله بالمنع عموم النص المانع وإن لم يكن وارداً فيه خصيصاً، ولكن الاستصناع عقد تعارفه جميع الناس في كل البلاد لاحتياجهم إلى طريقته ولا سيما في الأحذية ونحوها مما فيه مقاييس وأوصاف يختلف فيها الشخص عن غيره.

فلذلك أقر الاجتهاد جواز عقد الاستصناع للعرف الجاري فيه، واعتبر هذا العرف مخصصاً لعموم النص العام المانع، فكأنما ورد النص باستثناء الاستصناع ضمناً، كما استثنى السلم صراحة، وبقي العمل بالنص في غير ذلك من أنواع بيع المعدوم.


الرأي الراجح: رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ورق يوماً واحداً ثم أن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق ولبسوها فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم“.

  • بعد عرض آراء الفقهاء في عقد الاستصناع وذكر أدلتهم يتضح رجحان رأي الحنفية القائل بجواز عقد الاستصناع لما يلي:

  • ضعف أدلة الجمهور التي استدل بها:

  • حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ حديث ضعفه الألباني.

  • حديث ”لا تبع ما ليس عندك“ وإن كان الألباني قد صححه ولكن ورد من جهة الإسناد عبد الله بن عمرو وهو مجهول.

  • 2. قوة أدلة الحنفية الذين استدلوا بها:

  • حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وكذلك حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وردا في صحيح البخاري ويدلان صراحة على جواز عقد الاستصناع لفعله صلى الله عليه وسلم.

  • تعامل الناس بالاستصناع في سائر العصور من غير نكير دليل على انه جائز بالإجماع العملي.

  • 3. حاجة الناس تدعو إلى عقد الاستصناع فقد يحتاج الناس إلى أشياء غير مصنوعة فيجد من يصنعها له فلو لم يجز ذلك لوقع الناس في حرج شديد جداً ومن خصائص الشريعة الإسلامية رفع الحرج عن الناس


  • وقد جاء في قرار رقم (7/3/66) من مجلس مجمع الفقه الإسلامي بشأن عقد الاستصناع ما يلي:

  • إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 12 إلى 17 ذي القعدة 1412هـ الموافق 9 ـ 14 مايو 1992م.

  • بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع المنصوص موضوع عقد الاستصناع، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظراً لأن عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي قرر:

  • أن عقد الاستصناع وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط.

  • يشترط في عقد الاستصناع ما يلي:

  • بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة.

  • أن يحدد فيه الأجل.

  • 3. يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة.

  • 4. يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطاً جزائياً بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.


  • وجاء في توصيات وفتاوى مؤتمر المستجدات الفقهية في

  • معاملات المصارف الإسلامية المنعقد بالمركز الثقافي الإسلامي –

  • الجامعة الأردنية من 21-23 ذو القعدة 1414ه, ما يلي:

  • عقد السلم وعقد الاستصناع:

  • السلم والاستصناع من العقود المشروعة النافعة , ويوصي

  • المؤتمر المصارف الإسلامية بإحياء هذين العقدين في التمويل ,

  • لما يترتب عليهما من مصالح كبيرة في تنشيط التجارة والصناعة

  • والزراعة.

  • ب- يجب أن يراعي في عقد السلم والاستصناع الشروط التي

  • اعتمدها الفقهاء المجامع الفقهية؛ لتكون ضمانا في تطبيق هذ بما يحقق الأهداف المرجوة منها , ويمنع الضرر.

  • ج-يحذر المؤتمر من استعمال هذين العقدين بما يؤدي إلى

  • استغلال حالات العوز والحاجة لدى المزارعين وغيرهم من

  • المنتجين , بأن تكون عمليات السلم والاستصناع بأسعار عادلة,

  • ويدعو إلى وضع قواعد ونظم مستمدة من الشريعة الإسلامية

  • للحيلولة دون إساءة استعمال هاتين الصيغتين وغيرهما من صيغ

  • الاستثمار الإسلامي.

  • ويمكن للدولة التدخل عند ظهور هذا الاستغلال لحماية المنتجين

  • بالقيام بشراء منتجاتهم بأسعار معقولة,مع مراعاة الدولة بواجب

  • المشجع للإنتاج.


د- يرى المؤتمر جواز استعمال السلم الموازي والاستصناع

الموازي مع مراعاة الرابط التعاقدي بين العقدين المتوازيين في

السلم والاستصناع , وعدم إساءة استعمال هاتين الصيغتين

باتخاذهما ذريعة للمحظور.

ه- يوصي المؤتمر هيئات الرقابة الشرعية في المصارف

الإسلامية بوضع النماذج والضوابط لعقد السلم والاستصناع,

وخاصة السلم الموازي والاستصناع الموازي , بما يتفق مع

الأحكام الشرعية؛ لئلا يتحول مع التطبيق العلمي غير المنضبط

إلى الوقوع في المحظورات الشرعية.

و- يوصي المؤتمر بطرح مسألة استصناع الذهب والفضة في

إحدى الندوات القادمة لحل ما فيها من إشكالات, كما يوصي

بطرح صيغ تطبيق جديدة لعقدي السلم والاستصناع.


أركان عقد الاستصناع , وشروطه, وصفته والشرط الجزائي

أولا: أركان عقد الاستصناع:

إذا كان الاستصناع نوعا من البيع , فانه ينعقد بما ينعقد به البيع

من أركان وشروط تشكل مقومات عقد الاستصناع , وأركان عقد

الاستصناع هي:

1-الصيغة:

ويعبر عنها بالإيجاب والقبول, فهي تدل على رضا المتعاقدين

الصانع والمستصنع ,ومثال ذلك: أن يقول المستصنع للصانع :

اصنع لي كرسي مكتب من خشب كذا, وبمواصفات معينة, فيقول

الصانع : قبلت, ونحو هذا المثال لفظا أو كتابة ويشترط في

الصيغة ما يشترط في صيغة عقد البيع.


2 وصفته والشرط الجزائي- العاقدان:

وهما طرفا عقد الاستصناع, الصانع والمستصنع, اللذان يصدر

عنهما الإيجاب والقبول, ويشترط فيهما ما يشترط في طرفي عقد

البيع.

3- المعقود عليه:

وهو محل الاستصناع, وقد اختلف فقهاء الحنفية فيه,هل المحل

هو العين أو العمل؟

فجمهور فقهاء الحنفية يرون أن المحل هو“العين“؛ وذلك لأنه لو

استصنع رجل في عين, يسلمها له الصانع بعد استكمال ما يطلبه

المستصنع, سواء أكانت الصنعة قد تمت بفعل الصانع أم بفعل غيره بعد العقد, فان العقد يلزم, ولا ترد العين لصانعها إلا بخيار

الرؤية, فلو كان العقد واردا على“العمل“ لما صح العقد إذا تمت

الصنعة بصنع غيره, وهذا دليل على أن العقد يتوجه على”العين“

لا على الصنعة, ويرون أيضا أن المتفق عليه أن الاستصناع ثبت

فيه للمستصنع خيار الرؤية.


ومن الحنفية من يرى أن المحل في الاستصناع هو العمل؛ وذلك

لأن عقد الاستصناع ينبئ عن أنه عقد على عمل, فالاستصناع

لغة طلب العمل, والأشياء التي تستصنع بمنزلة الآلة للعمل ,

ولو لم يكن عقد الاستصناع عقد عمل لما جاز أن يفرد بالتسمية. وقد أخذت مجلة الأحكام العدلية برأي جمهور فقهاء الحنفية

القائل بأن المبيع في الاستصناع هو العين لا عمل الصانع وهو الراجح والله أعلم.


ثانياً: الشروط الخاصة للاستصناع: الاستصناع هو العمل؛ وذلك

معلوم عند جمهور الفقهاء أن عقد الاستصناع يعد سلماً وشروط السلم تعتبر شروط للاستصناع، أما الحنفية فإنهم يفرقون بينهما، ويرون أن للاستصناع شروطاً وهي:

1. أن يكون المستصنع فيه معلوماً، وذلك ببيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته لأنه لا يصير معلوماً بدونه؛ وذلك لرفع الجهالة المفضية للمنازعة.


2 الاستصناع هو العمل؛ وذلك. أن يكون المستصنع فيه مما يجري فيه التعامل بين الناس كالطائرات والسيارات والسلاح والأواني ونحو ذلك وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان؛ لأن ما لا تعامل فيه يرجع للقياس فيحمل على السلم ويأخذ أحكامه.

3. عدم ضرب الأجل: فقد ذهب جمهور الحنفية إلى عدم ضرب الأجل في عقد الاستصناع، فإذا ذكر الأجل صار سلماً ويعتبر فيه شروط السلم، واستدلوا على ذلك:

أ. بأن السلم عقد على مبيع في الذمة مؤجل، فإذا ما ضرب في الاستصناع أجل صار بمعنى السلم ولو كانت الصيغة استصناعاً.


ب. وأيضاً التأجيل يختص بالديون؛ لأنه وضع لتأخير المطالبة، وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه مطالبة وليس ذلك إلا في السلم، إذن لا دين في الاستصناع.

وخالف في ذلك أبو يوسف ومحمد فالعرف عندهما جرى بضرب الأجل في الاستصناع، والاستصناع إنما جاز للتعامل ومن مراعاة التعامل بين الناس أن الاستصناع قد عُرف فيه ضرب الأجل فلا يتحول إلى السلم بوجود الأجل.


ثالثاً: مدى لزوم عقد الاستصناع: لأنه وضع لتأخير المطالبة، وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه مطالبة وليس ذلك إلا في السلم، إذن لا دين في الاستصناع.

ذهب جمهور الحنفية إلى أن الاستصناع عقد غير لازم سواء تم أو لم يتم وسواء أكان موافقاً للصفات المتفق عليها أم غير موافق، وذهب أبو يوسف إلى أنه إن تم صنعه وكان مطابقاً

للأوصاف المتفق عليها يكون الاستصناع عقداً لازماً، وهو الراجح لأنه يدفع ضرراً كبيراً عن الصانع ويمنع من المنازعات بين الناس، وهذا ما أخذت به مجلة الأحكام العدلية.

وأما إن كان الذي تم صنعه غير مطابق لها فهو غير لازم عند الجميع لثبوت خيار فوات الوصف.

وقد اتفق فقهاء الحنفية على أن الاستصناع عقد غير لازم قبل العمل من المتعاقدين جميعاً حتى لو كان لكل واحد منهما خيار الامتناع قبل العمل كالبيع المشروط فيه الخيار لمتبايعين أن لكلا واحد منهما الفسخ؛ لأن القياس يقتضي ألا يجوز وإنما أجزناه استحساناً لتعامل الناس به فبقي اللزوم على أصل القياس.


رابعاً: الشرط الجزائي في عقد الاستصناع:

إذا اشترط أحد المتعاقدين غرامة تأخير على الآخر في عقد الاستصناع إذا لم ينفذ الأول التزاماته أو تأخر في تنفيذها ليس بسبب قوة قاهرة وترتب على عدم التنفيذ أو التأخير ضرر فإن للمتضرر الحق في تعويضه بقدر الضرر الذي وقع عليه حقيقة ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.

وأجاز كثير من العلماء المعاصرين والهيئات ولجان الفتوى الشرط الجزائي.

وقد ازدادت قيمة الزمن في الحركة الاقتصادية وأصبح تأخر أحد المتعاقدين أو امتناعه عن تنفيذ التزاماته في مواعيدها المشروطة مضراً بالطرف الآخر في وقته وماله أكثر مما قبل.


ولا يعوض هذا الضرر القضاء على الملتزم بتنفيذ التزامه الأصلي لأن هذا القضاء إنما يضمن أصل الحق لصاحبه وليس فيه جبر لضرر التعطل أو الخسارة ذّلك الضرر الذي يلحقه جراء تأخر الطرف الآخر عن الوفاء بالتزاماته في حينها تهاوناً منه أو امتناعاً.

ولذلك يشترط الناس في عقودهم ضمانات مالية تعرف بالشرط الجزائي أو غرامة مالية على الطرف الذي يتأخر في الوفاء بالتزاماته.

ومن خلال ما سبق يتضح جواز فرض غرامة تأخير في عقد الاستصناع للطرف المتضرر بقدر ما وقع عليه من ضرر حقيقي ولكن بشرط ما لم تكن هناك ظروف قاهرة خارجة عن إرادته, والذي يقدر ذلك أهل الاختصاص والخبرة والتجربة.


أوجه الاتفاق والاختلاف بين عقدي الملتزم بتنفيذ التزامه الأصلي لأن هذا القضاء إنما يضمن أصل الحق لصاحبه وليس فيه جبر لضرر التعطل أو الخسارة ذّلك الضرر الذي يلحقه جراء تأخر الطرف الآخر عن الوفاء بالتزاماته في حينها تهاوناً منه أو امتناعاً.الاستصناع والسلم وما ينتهي به

  • قبل أن نتحدث عن أوجه الاتفاق والاختلاف بين عقدي الاستصناع والسلم عند الحنفية لابد من الحديث عن أهم ما جاء من أحكام تتعلق بعقد السلم حتى نجري مقارنة بينهما:

  • تعريف السلم:

  • السلم لغة: السلف والاستعجال.

  • السلم شرعاً: اختلف الفقهاء في تعريفه تبعاً لاختلافهم في الشروط المعتبرة فيه كالحنفية والحنابلة الذين اشترطوا في صحته قبض رأس المال في مجلس العقد وتأجيل المسلم فيه: عرفوه بما يتضمن ذلك على النحو التالي:

  • عرفه الحنفية بأنه: أخذ عاجل بآجل.


وعرفه الحنابلة بأنه: أن يسلم عوضاً حاضراً بعوض موصوف في الذمة إلى أجل.

وعرفه المالكية الذين منعوا السلم الحال ولم يشترطوا تسليم رأس المال في مجلس العقد وأجازوا تأجيله إلى يومين وثلاثة فقد عرفوه: أن يسلم عيناً حاضرة في عوض موصوف في الذمة إلى أجل.

أما الشافعية الذين اشترطوا لصحة السلم قبض رأس المال في المجلس وأجازوا كون السلم حالاً أو مؤجلاً فقد عرفوه: بأنه بيع موصوف في الذمة.


  • أركان السلم وشروط صحته: عوضاً حاضراً بعوض موصوف في الذمة إلى أجل.

  • أركان السلم: أركان السلم هي أركان البيع، وجمهور الفقهاء متفقون على أن أركان السلم هي:

  • الصيغة: وهي الإيجاب والقبول.

  • العاقدان: وهما المسلم والمسلم إليه.

  • المحل: وهو رأس المال والمسلم فيه.

  • وكما هو معلوم فالحنفية خالفوا الجمهور واعتبروا ركن السلم هو الصيغة الدالة على اتفاق الإرادتين وتوافقهما على إنشاء العقد.


شروط صحة السلم: عوضاً حاضراً بعوض موصوف في الذمة إلى أجل.شروط صحة السلم متعددة وهي كما يلي:

1. شروط رأس المال:

يشترط في رأس مال السلم أن يكون مقداره معلوماً، وأن يسلم رأس المال في مجلس العقد، وأجاز المالكية تأخير رأس المال إلى أيام قليلة ما لم يكن مشترطاً.

2. شروط المسلم فيه:

يشترط في المسلم فيه أن يكون ديناً موصوفاً في ذمة المسلم إليه وأن يكون المسلم فيه معلوماً مبيناً بما يرفع الجهالة، وأن يكون المسلم فيه مؤجلاً، وأجاز الشافعية صحة السلم الحال كما هو جائز مؤجلاً. وأن يكون الأجل معلوماً وأن يكون المسلم فيه مقدوراً على تسليمه عند حلول الأجل، وأما تعيين مكان الإيفاء فقد اختلف الفقهاء إلى عدة اتجاهات.


أولاً: أوجه الاتفاق بين عقدي الاستصناع والسلم:

  • يتفق الاستصناع والسلم في أن كلاً منهما بيع لشيء معدوم أجازه الشرع لحاجة الناس إليه وتعاملهم به، فالباعث على عقد الاستصناع تلبية حاجة المستصنع، وتحقيق الربح للبائع الصانع، أما السلم فالباعث هو شدة حاجة البائع للمال لينفقها على نفسه أو على إنتاجه الزراعي ونحو ذلك.

  • يتفق الاستصناع والسلم في أن كلاً منهما لابد فيه من بيان المستصنع والمسلم فيه بياناً يمنع من المنازعة وذلك بالعلم بالمصنوع والمسلم فيه بذكر وبيان الجنس والنوع والقدر والصفة وما يؤثر في الثمن والرغبات بياناً واضحاً.


3 الاستصناع والسلم:. يتفق الاستصناع والسلم في أن كلاً من المستصنع أو المسلم فيه يتم تسليمه في محل العقد أو ما شرط بذكر مكان الإيفاء وكذلك إن كان لعمله مؤونة فلابد من تحديد موضع التسليم منعاً للخصومة والنزاع.

ثانياً: أوجه الاختلاف بين عقدي الاستصناع والسلم:

من خلال الاطلاع على عقدي الاستصناع والسلم نقف على نقاط الاختلاف بين العقدين فيما يلي:

أ.المبيع في الاستصناع عين لا دين , كاستصناع أثاث أو خف أو إناء, ونحو ذلك, أما المبيع في السلم فهو دين يثبت في الذمة,فهو كالمكيل, أو الموزون , أو المذروع , أو العدديالمتقارب, كالبطيخ والبيض, لذا فالاستصناع لا يدخل في جميع السلع , بل في السلع التي يحتاج إلى تصنيعها, فلا يجري في الإنتاج الزراعي أو المواد الخام مثلاً, أما السلم فيدخل في جميع السلع التي يمكن أن تستوعب أوصافها.


ب. الأجل في الاستصناع مختلف فيه عند الحنفية, فجمهورهم ذهب إلى عدم ضرب الأجل, فإذا ذكر الأجل صار الاستصناع سلماً, وقال الصاحبان: يصح الاستصناع لأجل أو لغير أجل,.لان عرف الناس تحديد الأجل فيه.

على عكس السلم فانه يشترط فيه وجود الأجل , فهو لا يصح عند جمهور الفقهاء عدا الشافعية إلا لأجل كشهر فما فوق. ج.الاستصناع عقد غير لازم عند جمهور الحنفية غير أبي يوسف, فيجوز لكل من العاقدين فسخه.

أما السلم فانه عقد لازم لا يجوز فسخه إلا بتراضي المتعاقدين واتفاقهما معا على الفسخ.

د. لا يشترط في الاستصناع قبض رأس المال في مجلس العقد, فقد يدفعه كله أو جزء منه, وقد لا يدفع منه شئ, ويكون ديناً حتى يسلم المصنوع.

أما في السلم فيشترط قبض رأس مال السلم في مجلس العقد.


ثالثاً ما ينتهي به عقد الاستصناع: عند الحنفية, فجمهورهم ذهب إلى عدم ضرب الأجل, فإذا ذكر الأجل صار الاستصناع سلماً, وقال الصاحبان: يصح الاستصناع لأجل أو لغير أجل,.لان عرف الناس تحديد الأجل فيه.

ينتهي عقد الاستصناع بتمام الصنع, وتسليمه وقبوله, وقبض الثمن, كذلك ينتهي بموت أحد العاقدين, لشبهه بالإجارة.


تطبيقات عقد الاستصناع في أعمال التمويل والاستثمار التي تقوم بها المصارف الإسلامية, والخطوات العملية لتنفيذه

أولاً : تطبيقات عقد الاستصناع في أعمال التمويل التي تقوم بها المصارف الإسلامية:

تحدثنا سابقاً إن الاستصناع في الماضي حقق رغبات الناس ومتطلباتهم فأفاد الصانع والمستصنع, فالصانع قدم خبرته ومهاراته, واستطاع أن يبدأ من خلال تطوير وتحسين صنعته, فاكتسب المال, والمستصنع حصل على ما يرغب ويرضي ذوقه ويحقق مصلحته.

ثم انتشر الاستصناع انتشاراً واسعاً في وقتنا الحاضر, فلم يعدمقصوراً على صناعة الأحذية وأثاث المنازل وغير ذلك, بل شمل صناعات متطورة ومهمة جداً في الحياة المعاصرة كالطائرات والسفن والقطارات والسيارات وغيرها مما أدى إلى تنشيط الحركة الصناعية وتطويرها, وهذا أسهم في تلبية رغبات الناس وتحقيق مصالحهم بتوفير حاجاتهم.

ولم ينتهي الأمر على الصناعات المختلفة السابقة وإنما شمل إقامة المباني وتوفير المساكن المرغوبة وقد ساعد كل ذلك على التغلب على أزمة السكان.


ومن أبرز الأمثلة والتطبيقات للاستصناع بيع الدور والمنازل والشقق السكنية على الخارطة ضمن أوصاف وضوابط محدودة, ويعد العقد صحيحاً إذا صدرت رخصة البناء, ووضعت الخريطة وذكرت في شروط العقد مواصفات البناء, بحيث لا تبقى جهالة مفضية إلى النزاع والخلاف وقد أصبح من السهل ضبط الأوصاف ومعرفة المقادير وبيان نوع البناء سواء بيع البناء على هيكل أم مكسياً كامل الكسوة مع الاتفاق على شروط الكسوة وأوصافها من النوع الجيد أو الوسط أو العادي


إذا من خلال ما مر نستطيع إن نقول أنه يمكن تطبيق عقد الاستصناع في أعمال التمويل والاستثمار التي تقوم بها المصارف الإسلامية أو غيرها على كل ما دخلت فيه الصناعة من سيارات وطائرات وبواخر وكذلك بناء العقارات والأبنية الجاهزة وغيرها إلى صنع الأواني والثياب والأحذية ونحو ذلك وفي هذا مجال واسع للمصارف الإسلامية وخاصة في فلسطين التي لا تتعامل إلا بعقد المرابحة للأمر بالشراء بنسبة كبيرة جداًُ تصل إلى فوق 90%.


وعقد الاستصناع ينشط الحركة الاقتصادية ويكسر طوق الحصار المضروب على الدول الإسلامية وخاصة فلسطين ويحصل المصرف والمستصنع على المال والحاجة حسب الاتفاق المبرم بينهما , وبذلك يزول الحرج فيضمن عدم ركود السلع وتحل الأزمات وخاصة السكن فيطلب المستصنع عينا ًبمواصفات وشروط محددة حسب رغبته ويدفع الثمن أو جزء منه أو لا يدفعه إلا بعد الاستلام على أقساط حسب الاتفاق الذي يتم بينهما وهذا كله يؤدى إلى تنشيط الاقتصاد والتجارة ويقضي على البطالة بتمويل المصرف الإسلامي هذه الأعمال على أساس عقد الاستصناع الموازي.


ثانياً الخطوات العملية التنفيذية لعقد الاستصناع الموازي في المصارف الإسلامية:

إذا أردنا أن نستغل موارد العالم الإسلامي من ذهب وفضة ونحاس وخشب ومواد بترولية التي تدخل في التصنيع فسنحقق مصالح الناس بالنفع العام الذي سيعود عليهم ويسد احتياجاتهم وهذا يحصل بالربط والعمل التكاملي بين أصحاب الخبرة وأصحاب الأموال ويقضي على البطالة المنتشرة وخاصة في العالم الإسلامي وخير من يقوم بهذا العمل هو المصارف الإسلامية عن طريق الاستصناع الموازي بالخطوات العملية التالية:

1.يبدأ المستصنع رغبة في شراء سلعة ويتقدم للمصرف الإسلامي بطلب لاستصناعه بمواصفات وشروط يرغب فيها.

2.إذا وافق المصرف الإسلامي على طلب المستصنع يوقع الأخير عقد وعد ملزم بالشراء ثم يلتزم المصرف الإسلامي بتصنيع السلعة وتسليمها له في المدة المتفق عليها.

3.يطلب المصرف الإسلامي من صانع استصناع هذه السلعة الذي التزم بها للمستصنع في عقد الاستصناع الأول بنفس الصفات والشروط ويتفق مع الصانع على الثمن والأجل.


4.يسلم الصانع السلعة إلى المصرف الإسلامي مباشرة أو إلى جهة أو مكان حدده المصرف في العقد حسب الاتفاق.

5.يقوم المصرف الإسلامي بتسليم السلعة المستصنعة إلى المستصنع مباشرة أو عن طريق جهة أو في مكان تم الاتفاق عليه في العقد, ومن حق المستصنع التأكد من مطابقة السلعة للمواصفات التي تم الاتفاق عليها في عقد الاستصناع الأول.

6.يتم إبرام عقد الاستصناع الأول ثم إبرام عقد الاستصناع الموازي بنفس الشروط والمواصفات مع إضافة شرط قبول المستصنع الأول بالسلعة المستصنعة طالما أنها مطابقة للمواصفات والشروط وتعتبر موافقته للصانع موافقة نهائية منهية للخيار.


ad